هذه المعاني القوية أكسبت أسلوب الشيخ محمد عبده قوة لا تجدها في «الوقائع». ثم إننا نلاحظ أن «الشيخ» متى اتصل بالأستاذ فناري من ناره، وثائر من ثوراته، وعاطفي من حرارة وجدانه، فإذا انفصل عنه عاد إلى حكم العقل والمنطق وزالت ثورته، وخفت حدته.
وحدث في هذه الأثناء أن سافر الشيخ محمد عبده إلى «لندن» وكانت الثورة المهدية في السودان، والإنجليز لم يثبتوا أقدامهم في مصر، ووعودهم بالجلاء تتابع، فلعل في رجال الإنجليز من أعضاء البرلمان من يصغي إلى صوت الإنسانية، وحق البلاد في الاستقلال، فكان الشيخ محمد عبده وقد عاد إلى عمامته في البرلمان الإنجليزي يحدث أعضاءه، ويحدث رجال السياسة، ورجال الصحافة، وهو في كل ذلك وطني مصري مخلص يطلب الجلاء والوفاء بالوعود، ويوضح حقيقة الحال في الثورة العرابية ودسائس الأوربيين فيها، وكراهية الشعب للحكم الأجنبي، وأنهم يفضلون استبداد الحكام من أهلها على الأجنبي من غيرها مهما كانت سيرته، ويهدد بأن المصريين سوف لا يدفعون الضرائب، وسيجعلون حكم الأجانب مستحيلا، سواء أكانوا إنجليزا أو فرنسيين، ويقرر أن انتشار الأمية في مصر لم يفقد أهلها الشعور الطبيعي برغبتها أن تحكم نفسها، والإسلام الذي بين جوانحها يحرم عليها الاستسلام لغيرها.
ولكن متى خضعت القوة للحق، ومتى ضحيت المصلحة للإنسانية، ومتى عفا الأسد عن فريسته؟
لقد عاد الشيخ محمد عبده إلى باريس يائسا، وزاد الأمر سوءا أن نجحت إنجلترا في اضطهاد «العروة الوثقى» والتضييق عليها، فاحتجبت بعد ظهور ثمانية عشر عددا منها في ثمانية أشهر، وسافر السيد جمال الدين إلى فارس، وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت، فإن كانت «العروة الوثقى» لم تخلق أشجارا كما كانا يؤملان فقد نثرت بذورا تنتظر الجو الطبيعي والغذاء الصالح لتبدأ في النمو ولتكون بعد أشجارا وإن انتفع بها الأعقاب.
سكن الشيخ محمد عبده بيروت فانقطع عنه مدد الثورة والهياج السياسي الذي كان يمده به السيد جمال الدين، وعاد إلى طبيعته من ميله إلى الإصلاح العقلي والديني وتجنب السياسة، وكانت الظروف حوله تدعو إلى ذلك؛ فقد فشلت الثورة العرابية، وأقفلت جريدة العروة الوثقى، ولم تنجح مفاوضاته مع الإنجليز، وهو الآن يقيم في بيروت حيث الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الذي يخنق الحرية ويملأ البلاد بالجواسيس يحصون على الناس أنفاسهم.
لهذا كله كان الشيخ محمد عبده في بيروت عالما ومعلما فقط، يملأ زمنه بالتأليف والتعليم، شرح نهج البلاغة ومقامات بديع الزمان، وأخذ يدرس تفسير القرآن في مسجدين من مساجد بيروت على الطريقة التي اتبعها بعد في مصر، لا يتقيد بكتاب في التفسير خاص، إنما يقرأ الآية من القرآن ويفسرها من عنده بما يختار من التفسير، ويستطرد في شرح أحوال المسلمين ونقدهم حسبما تلهمه الآية.
ودعي للتدريس في المدرسة السلطانية ببيروت فأصلح برامجها ونقلها إلى درجة أرقى بكثير مما كانت، نقلها من شبه مدرسة أولية إلى شبه مدرسة عالية، وشغل نفسه بالتدريس فيها أكثر الوقت، فكان يدرس التوحيد والمنطق والبلاغة والتاريخ الإسلامي، والفقه على مذهب أبي حنيفة، واتخذ بيته ندوة للحديث العلمي والأدبي والسمر المفيد، وكان لبقا في دروسه وأحاديثه، يشتاق إليها المسلم والنصراني.
وكان من آثار إملائه ودروسه ما كان أساسا لما نشره بعد في مصر من رسالة التوحيد وشرح البصائر النصيرية في المنطق.
وعلى الجملة فقد خلق في بيروت حركة علمية راقية استفاد منها كثير من أهلها.
ولم ينس الجرائد، فكان يكتب في جريدة «ثمرات الفنون» مقالات تشبه تلك التي كان يحررها في الوقائع، مثل مقالته في الدعوة إلى «النقد » والحث عليه وأنه أداة لتمحيص الآراء ومعرفة وجه الحق في الأفكار إلخ.