وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
فإذا نحن تساءلنا: ما أثر الشيخ محمد عبده في هذه الفترة؟
قلنا: إن له أثرا كبيرا اعترف به حزبه وخصومه والذين حققوا معه وحاكموه.
فقد نبه الأفكار إلى الإصلاح فيما كتب في الصحف وما تحدث في المجالس، وما اتصل بالهيئات المختلفة، فكان مصدرا كبيرا لشعور الناس بسوء الحال والحاجة إلى الإصلاح مهما اختلف هو وغيره في طريق العلاج. وكان يعده أصحابه وأعداؤه من أقوى العقليات الموجودة إن لم يكن أقواها، ومن أقوى الشخصيات التي تعمل للخير حسبما تعتقد من غير أنانية. فمن يوم أن عين في تحرير الوقائع وهو جم النشاط يحرر ويراقب، ويتصل بالمصالح الحكومية، ويغشى المجالس، مجلس رياض، وعلي مبارك، وسلطان، وعرابي، وطلبة، والسراي. وفي كل هذه المجالس يقول ويجادل، ويقنع ويقتنع، ويثير الحماسة للعمل. وكان للثورة العرابية مصادر، فكان هو مصدرا من مصادرها، ولكنه سبب بعيد، لا كعبد الله نديم سبب قريب، ثم انقلب الشيخ محمد عبده سببا قريبا يوم حميت النار، فلئن اتهم بأنه من زعماء الثورة وحوكم عليها لقد كان ذلك حقا. •••
هذا هو الشيخ في بيروت بعد أن قبض عليه لاشتراكه في الثورة العرابية وأودع في السجن ثلاثة أشهر للتحقيق، لاقى فيها الأمرين من اضطهاد وإهانة وشماتة أعداء وتنكر أصدقاء وتضييق بالأسئلة وإحراج في الاستجواب، ثم حكم عليه بالنفي ثلاث سنوات.
يقيم في بيروت نحو عام سنة 1883 وسنه إذ ذاك نحو أربع وثلاثين سنة.
ثم لا يلبث أن يدعوه أستاذه السيد جمال الدين ليوافيه إلى باريس فيلبي الدعوة، ويشتركان في إخراج مجلة «العروة الوثقى»
1
للسيد التوجيه والروح ورسم الخطط وإبداء الأفكار، وللشيخ التحرير والصياغة وتفصيل المعاني.
إدارة الجريدة في غرفة صغيرة في سطح منزل في باريس، هي مكان التحرير وملتقى الأتباع ومجمع الأفكار، وهذه الغرفة الصغيرة أثارت الأفكار وأخافت الإنجليز والفرنسيين، وأقلقت راحتهم، أكثر مما أخافتهم عمارات ضخمة وإدارات فخمة، بل أكثر مما أخافتهم الجنود والبنود، فالعبرة بالسكان لا بالمكان.
وهذا الشيخ محمد عبده يتأثر بباريس، بما يطلع على شئونها ومعيشة أهلها. فيطيل شعر رأسه ويلبس الطربوش ويحتفظ بالجبة والقفطان، ولكن مع الأسف لم يكن له من الفراغ ما يتعلم فيه الفرنسية، فمهمته تستغرق كل وقته، فهو وأستاذه وقليل من الأتباع يحملون عبء التفكير والتحرير والتصدير، وتمهيد السبل السرية والعقلية لوصول المجلة إلى أنحاء العالم الإسلامي، وتأسيس فروع مركزية لمساعدتها وانتشارها وتحقيق أغراضها.
والقارئ للمقالات التي كان يحررها الشيخ محمد عبده في الوقائع المصرية ومقالات «العروة الوثقى» يرى الفرق الكبير بينهما في الاتجاه والغرض والأسلوب والحرارة.
كانت مقالات «الوقائع» بحكم الطبيعة تقصد إلى الإصلاح الاجتماعي في مصر وحدها بأسلوب هادئ يغلب عليه العقل والتحفظ والتدرج، ومقالات العروة الوثقى تنظر إلى العالم الإسلامي كله على أنه وحدة، فإن ذكرت مصر أو الهند فعلى سبيل المثال، وكانت تقصد أول ما تقصد إلى مناهضة الاحتلال الأجنبي بجميع أشكاله، وتهدف إلى رفع نيره عن العالم الإسلامي كله عن طريق ثورة الشعوب، وبث روح العزة القومية بواسطة العقيدة الدينية الصحيحة، وخلق الأمل في النجاح مكان اليأس، وتوثيق الصلات بين الشعوب الإسلامية كلها لتتعاون على دفع أذى الأجنبي عنها، والتخلص من المستبدين الظالمين من أهلها، وتأسيس الحياة الاجتماعية والدينية والسياسة على أسس أصول الإسلام الأولى: من إعداد السلاح ومقابلة القوة بالقوة وطرح العقائد الدخيلة التي تدعو إلى الاستسلام، مثل رمي العبء كله على القضاء والقدر، وإفهام الشعوب أن الإسلام في شكله الصحيح لا يتنافى مع المدنية، ولا يعوق التقدم والوصول إلى ما وصلت إليه الأمم الأخرى.