تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفت إلى المصالح العامة للدول الإسلامية، فوضع لائحتين في إصلاح التعليم الديني في مدارس المملكة العثمانية بمناسبة صدور إرادة سنية من السلطان عبد الحميد بتشكيل لجنة تحت رياسة شيخ الإسلام لإصلاح البرامج في المدارس الإسلامية، وقد رفع الشيخ محمد عبده إحداهما إلى شيخ الإسلام في الأستانة، يرى فيها أن ضعف المسملين سببه سوء العقيدة والجهل بأصول الدين، وأن ذلك أضاع أخلاقهم وأفسدها، وأن العلاج الوحيد هو إصلاح التعليم الديني، وقد رسم لذلك خططه.

ورفع لائحة أخرى إلى والي بيروت تتضمن إصلاح سوريا ووصف سوء حالها وتقسم النزعات السياسية لها بانتشار المدارس الأجنبية فيها، واقترح تعميم المدارس الوطنية، وإصلاح برامج التعليم الديني والعناية به.

ومع انقطاعه للعلم وبعده عن السياسة لم يخل من متاعب، بسبب حسد بعض الضعفاء الجبناء، أو بسبب حدة مزاجه، وكان إذا احتد جرح، فاضطر إلى ترك التدريس في المدرسة السلطانية لما شعر بسوء جوها.

كانت مدة نفيه التي حكم عليه بها ثلاث سنوات، ولكنه مكث في المنفي نحو ست سنين، لأن الأمر لم يكن حكما بالنفي فقط، بل كان أكثر من ذلك غضب الخديو توفيق عليه، لأنه كان ممن اتهم في الثورة العرابية بجهره بخلع الخديو؛ وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في محاكمته دون غيره ممن اشتركوا في الثورة العرابية مثل اشتراكه. وقد كرر هذا المعنى أثناء حديثه وهو في إنجلترا مع بعض مكاتبي الجرائد، فقد سأله مكاتب «البول ميل جازيت» عن رأيه في الخديو، فقال الشيخ: «إن توفيق باشا أساء إلينا أكبر إساءة، لأنه مهد لدخولكم بلادنا، ورجل مثله انضم إلى أعدائنا أيام الحرب لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام، ومع هذا إذا ندم على ما فرط منه وعمل على الخلاص منكم ربما غفرنا له ذنبه إننا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية».

لهذا كان من العسير عودته إلى مصر في عهد توفيق، ولكن عادت وزارة رياض باشا إلى الحكم وسعى عند الخديو جماعة في العفو عنه، منهم الأميرة نازلي، ولم تكن تعرفه ولكنها سمعت عنه كثيرا من رجال منتداها ومنهم سعد زغلول، وكانت حسنة الصلة مقبولة الرجاء عند اللورد كرومر، ومنهم الغازي مختار باشا، وأفعل شفاعة كانت بطبيعة الحال شفاعة اللورد كرومر، وقد قال في كتابه «مصر الحديثة»: «إن العفو صدر عن الشيخ محمد عبده بسبب الضغط البريطاني». وينسب بعضهم الفضل الأول في العفو لمختار باشا. والمطلع على الأحوال في ذلك الوقت يعرف أنه ما كان الخديو توفيق يعفو إلا برضا اللورد كرومر أو ضغطه.

وهنا يصح أن نتساءل: ماذا كان وراء الستار؟ واللورد كرومر لا يقدم على هذا لمجرد رجاء البرنسيس نازلي ورجال ندوتها، وهو يعلم ما كان من الشيخ محمد عبده مع السيد جمال الدين في العروة الوثقى التي هاجمت إنجلترا أشد مهاجمة وعدتها أكبر خصم المسلمين؟

الذي يظهر لي أن أصدقاء الشيخ محمد عبده في مصر استوثقوا منه أنه إن عاد لا يشتغل بالسياسة العليا، فقد جربها واكتوى بنارها، ولم يفد منها ما يرجو لأمته والعالم الإسلامي، وإنما يعمل على الإصلاح الديني والنظم الدينية، وهذا لا يضر موقف الإنجليز في مصر في شيء. وعلى هذا الأساس قبل اللورد كرومر شفاعة الأصدقاء، وضغط على الخديو توفيق فسمح له بالعودة، وسار الشيخ محمد عبده على النحو الذي سنبينه.

ونتساءل أيضا: هل يلام الشيخ محمد عبده على هذا الموقف؟

ونرى أيضا أنه لو أعد نفسه ليكون زعيما سياسيا يرمي إلى تحرير وطنه لكان موضع اللوم في هذه الخطة ولعد ذلك تراجعا. ولكن يظهر من تاريخ الشيخ محمد عبده كله أنه لا يحب السياسة ويلعنها ويلعن مشتقاتها، ولم يشتغل بالسياسة إلا حين دفعه التيار في الثورة العرابية، أو حين كان تحت تأثير أستاذه السيد جمال الدين الناري المزاج في «العروة الوثقى». أما هو فيرى في نفسه أنه معلم منير عقول، مفهم للحقوق والواجبات، مصلح للعقيدة الإسلامية، مدافع عن الإسلام، كان كذلك قبل الثورة، وكان كذلك في بيروت، فلم يتنكر لمبادئه حين أفهم اللورد كرومر موقفه بواسطة أصدقائه. ولعل هذا هو سبب ما نلحظه من فتور في العلاقات بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده من ذلك الحين، «وكل ميسر لما خلق له». •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٧