تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان يكثر الكلام في الوطن والوطنية، والحقوق والواجبات، والدستور وغير ذلك من الموضوعات الملونة بالثقافة الفرنسية، مع الاجتهاد في وضع مصطلحات عربية موفقة.

وكان زعيم أديب إسحق وصحبه هو شريف باشا، إذ كان شريف كما صوره الشيخ محمد عبده «من أقوى عوامل النهضة التي انقلبت إلى فتنة. كان من القائلين بأن النفوذ الأجنبي قد بلغ حدا لم يكن يمكن أن يبلغه لو لم يتساهل رياض باشا بالتسليم للأجانب في كل ما يطلبون. وكان يقنع جلساءه أنه إذا حكم أوقف الأجانب عند حدودهم وسار بالوطن شوطا عظيما في مجده»، وكانت سياسته إنشاء مجلس النواب في صورة قوية «وأخذ الناس يقولون: لا صلاح في الاستبداد بالرأي وإن خلصت النيات، فرأي واحد عرضة للخطأ وإن تحققت نزاهته من الغرض».

وكان هؤلاء ينظرون إلى محمد عبده وصحبه وعلى رأسهم رياض بأنهم حزب رجعي. ويظهر أنه لم يكن رجعيا وإنما كان حزبا مصلحا محافظا يرى التؤدة ولا يرى الطفرة.

وقد أغلق رياض جريدتي «أديب إسحق ونفاه»، ولما ألف شريف مجلس النواب استداعاه وعينه رئيسا لقلم الإنسان والترجمة بنظارة المعارف، ثم سكرتيرا في مجلس النواب، ثم مات شابا في التاسعة والعشرين من عمره.

ومع الأسف لم يكن مصدر الثورة هذا الحزب الذي يطالب بالمجلس النيابي والحرية الشخصية، ولو كان لاتخذت الثورة وضعا آخر، ولنظر إليها على أنها ثورة من الأمة لتحقيق العدل. إنما بدأت الثورة من الحزب العسكري وعلى رأسه عرابي يطالبون بتحقيق المساواة بين الضباط المصريين والضباط الشركسيين، ولكن اتسعت الثورة رويدا رويدا، وزادت مطالب عرابي باشا شيئا فشيئا؛ فتزعم أيضا الوطنيين وطلاب المجلس النيابي، وانضم إليه سلطان باشا أول الأمر، وكان من الناقمين على رياض والمطالبين بالحكومة النيابية، وبانضمامه انضم كثير من الأعيان وعلماء الأزهر، ثم انضم الشعب بأجمعه تهيجه الجرائد الثائرة، وعلى رأسها عبد الله نديم، وامتزجت مطالب الجنود بمطالب الأعيان بمطالب الأهالي، وطلب العدالة الضباط بطلب الحكم النيابي بإلغاء الاستبداد ذلك وكل تنفذه القوة العسكرية.

لو حكمنا منطق الواقع فيما سيحدث لقلنا: إن الشيخ محمد عبده لا ينغمس في هذه الثورة العرابية مطلقا لا في أولها ولا في آخرها؛ لأنه لا يؤمن بالحكم النيابي السريع، ولأنه يشايع رياض باشا، ولأنه لا يرضى أن تكون الثورة بيد العسكريين، ولأنه يكره شخصيا عرابي باشا، ويعتقد أنه شهم في الكلام ضعيف في الحرب، يحتكم إلى المنامات أكثر مما يحتكم إلى العقل، أليق به أن يكون واعظا للعوام من أن يكون زعيم أمة، وإن كان طيب القلب حسن النية، ولكنا نجده بإقراره مناهضا للثورة في أولها، مشايعا لها في آخرها . وليس بصحيح ما يقال من أنه لما تطور أمر الثورة من مطالبة بالمساواة العسكرية إلى مطالبة بالحكم النيابي انضم إليها، فإنه لم يكن يؤمن بالحكم النيابي العاجل كما قدمنا. إنما الأمر في نظري أن مسائل الحياة لا تجري على المنطق دائما وخاصة أيام الثورات. وحوادثنا القريبة في ثوراتنا الحديثة أكبر شاهد على ذلك. فكم انتقل رأي الكبراء من ناحية إلى ناحية تحت تأثير تيار الرأي العام؛ فالشيخ محمد عبده رأى كل الأمة في ناحية الثورة، واشترك فيها المسلمون والأقباط واليهود، ولم يشذ عنها إلا أحد رجلين: رجل لا في العير ولا في النفير، وهو لا بد أن يكون في العير وفي النفير، ورجل انضم إلى الخديوي توفيق يشايعه ويتملقه، وتوفيق باشا في نظر الشيخ محمد عبده لا يصح أن يكون أحد بجانبه بعد أن استعان بالدول الأجنبية في إخماد الثورة، ومالأ الأجانب على قومه. أضف إلى ذلك أن الأمر آخرا لم يصبح أمر حزب أمام حزب، بل أمر مصر أمام الإنجليز، فلا بد أن يكون مع قومه وينشد:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٤