تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الطائفة الأخرى فكانت نواتها أفرادا تعلموا في أوربا لا عن طريق البعثة، وعاشوا فيها زمنا طويلا ورأوا نظمها ولمسوا حرية أفرادها، وأعجبوا بحرية ساستها في نقد الحكومة وأعمالها، وعادوا إلى مصر فتقززوا من حالها ونظامها، فدعوا في مجالسهم وجرائدهم إلى إصلاح وثاب. أو أفرادا تعلموا على الأنماط الأوروبية، وتثقفوا ثقافتها، وهؤلاء يريدون حرية شخصية للفرد في أعماله وعقائده، ولا يبيحون للحكومة أن تتدخل فيها، ما لم يقع العمل تحت سلطة القانون، وحرية سياسية تامة في نقد الحكومة وأعمالها، وأهم ما في هذا الباب إنشاء مجلس نيابي مستقل على النظام الإنجليزي أو الفرنسي له الإشراف العام على الحكومة، وهي مسئولة أمامه لا أمام الخديو. وكان على هذا الرأي بعض المصريين، وبعض الجالية السورية.

وتجادل الفريقان في هذه المبادئ أيما جدال؛ وهذا ما يفسر كل ما صدر من الشيخ محمد عبده في مقالاته في الوقائع وغيرها، فهو يعنى فيها بأمر التربية والتعليم، ويلح في إصلاحهما وينال من ذلك بعض غرضه، وينقد العادات السيئة، ويدعو إلى التخلص منها، ويدعو إلى احترام القوانين وإطاعتها. ومن ناحية أخرى يكتب مقالا عنوانه «خطأ العقلاء» يهاجم فيه الفريق الآخر، في دعوته إلى الحرية الشخصية، والحرية الاجتماعية، ففي الحرية الشخصية يرى أنها ضارة ما لم تدعم بالتربية، وإلا سقط الناس في الخمر والقمار وهتك الحرمات، وجاهروا بالإلحاد. بل نراه يفضل «الكبسة» على الحرية الشخصية من غير تربية، والكبسة عادة كانت جارية، وهي أن يهجم رجال الضبط على بعض الأماكن المشبوهة ليلا ليقبضوا على من يظن فيهم الاجتماع لخمر أو فجور؛ فيقول «فالكبسة على ما كان فيها من الخطر على الأنفس والأموال وشناعة الصورة لو أحسن فيها القصد لكانت أولى وأفضل إلى زمن تتقدم فيه التربية، فيكون لكل شخص زاجر من نفسه، فترتفع الكبسة بذاتها» وكذلك رأيه في الحرية السياسية، يرى أن يبدأ بإصلاح المجالس البلدية وتعويد الأهالي السير عليها قبل مجلس نيابي منقول نظامه عن أوربا. ثم يستمر متمسكا بهذا الرأي حين يقول: «إنما ينهض بالشرق مستبد عادل» ردا على من يرى أنه إنما ينهض بالشرق حكم نيابي شامل . ويرى في هذا المقال أن هذا المستبد العادل يستطيع أن يفعل في خمسة عشر عاما الأعاجيب وينقل الأمة خطوة واسعة إلى الأمام.

ويرى الفريق الآخر بأن الحرية الشخصية حق طبيعي للإنسان لا يصح أن يهدر لأي سبب، ومثل من يقول بالقضاء عليها لسوء استعمالها كمن يريد إبطال السكك الحديدية لأن القطار يقتل بعض الأفراد، والعفة التي تحتاج إلى حارس أقل قيمة من أن يحرسها حارس.

وأما الحرية السياسية فلا بد منها لمعالجة ما أصاب البلاد من الاستبداد، والمستبد العادل إذا ظفرت به أمة أعقبه في الأعم الأغلب مستبدون ظلمة، فلا يصلح إلا أن يكون علاجا مؤقتا. والحكم النيابي هو الأمل الوحيد في الإصلاح، فإن كان الناس لم يتعودوه فليتعودوه، ولا بأس من مضي قليل من الوقت حتى يألفه الناس ويسيروا عليه.

وكان من ألسنة هذه الدعوة شاب سوري اسمه أديب إسحق. كان ذكيا كاتبا شاعرا خطيبا مثقفا ثقافة واسعة، مطلعا على شئون العالم الأوربي وتاريخه، يجيد العربية والفرنسية والتركية مطلعا على آدابها، وأسلوبه في الكتابة أقوى من أسلوب الشيخ محمد عبده وصحبه يوم كانوا يحررون في الوقائع، تتلمذ أيضا للسيد جمال الدين في مصر، وتشرب من روحه، وكان متأثرا تأثرا كبيرا بالعقلية الفرنسية، على حين كان الشيخ محمد عبده متأثرا بالعقلية الأزهرية والشرقية. وحتى في سيرته الشخصية كان مستهترا مسرفا على نفسه، على حين كان الشيخ محمد عبده متدينا ورعا.

كان لأديب إسحق هذا جريدتان يحرر فيهما، وهما «مصر» و«التجارة»، وكان شعلة ملتهبة يعيش عيشة عنيفة على حساب أعصابه، فكان يهاجم الاستبداد، ويطالب بالحكم النيابي في أكمل صوره. يقول: لقد عرف الناس الآن شرور الاستبداد. وترفعت نفوسهم بالعلم عن الرضا به، وصار الأمر شوري عند جميع الدول المتمدنة إلا الروسيا، وذلك إن صحت تسمية الدولة المستبدة مطلقا بدولة متمدنة. إن ثورة فرنسا برزت إلى عالم الفعل عام 1789 وصدمت قوة الاستبداد فزلزلتها، ودفعت سطوة التقليد فضعضعتها، ورفعت عن العيون نقابها، وعن النفوس حجابها، فآنست من جانبها نور الحرية، وخلعت جلابيب الرق والعبودية، فتصدى لها أعوان الرق وأنصار العبودية وما آلوا في قتالها جهدا، فلقيتهم وهي ترى الموت في الحرية حياة، والحياة في الرق موتا، فلم يبلغوا منها قصدا، ورسخت في عالم الوجود قدمها، وأدهشت الدنيا بشدة حولها إلخ. ويهاجم رياض باشا وصحبه في مذهبهم، وينعي عليهم اعتقادهم في ضعف المدارك المصرية، ويقول: «زرت رياض باشا على عهد الوزارة الأجنبية في ديوان الداخلية، فقابلته خارجا من الغرفة فجلسنا على مقعد الباب، فقال: كيف ترون الحال؟ قلت: رأي الوزير أوسع. قال: وما الذي يبلغكم من أخبار الريف؟ قلت: إن الناس أملوا كثيرا ولم ينالوا شيئا فأوشكوا أن يعودوا إلى اليأس بعد الرجاء، والوزير يعلم أن النكسة شر من الداء، فقال بازدراء: فليرجعوا إلى حالة الخسف، ويعانوا عذاب الظلم. قلت: إنهم لا يرومون ذلك، ولكن يرومون نيل الحرية وتأييد الكلمة الوطنية. فقال متهكما: ألا يرجون مجلس النواب؟ قلت: لا بدع أن يطلب الشيء من معدنه. فقال: أي معدن في مثل هذا المجلس؟ وكيف يرجى له البقاء، وليس في مصر من يعلم شيئا من أحوال السياسة الدولية ليصلح أن يكون نائبا؟ قلت: إن صح هذا الرأي فلا يقضي بحرمان البلاد من نعمة الشورى، فإن النواب المصريين يستطيعون النظر في أمورهم الداخلية وأحوالهم الزراعية وما يترتب عليه نفع البلاد ليستجلبوه، وما ينشأ عنه الضرر ليجتنبوه، وهم بذلك أحق من غيرهم، فإن صاحب البيت بالذي فيه أدرى. فهمهم بكلام لا يفهم وانصرفت».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٣