تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن وزارة رياض باشا قسمت البلاد قسمين: مؤيد ومعارض، والمعارض معارض بالحق وبالباطل.

كان رياض يريد الخير لمصر ولكن من طريق التدرج، ويعتقد أن المصريين في حالة تدعو إلى الإشفاق والأخذ بيدهم في هوادة، وهو في هذا قوي جبار ينفذ ما يريد في عنف، له لازمة وهي «هيه» إذا قالها رعب من حوله، لا يعبأ إذا اقتنع بشيء من إصلاح أو بشخص من الأشخاص أن ينفذه ويؤيده مهما كانت النتائج، وإلى ذلك يعتقد في الأجانب من إنجليز وفرنسيين القوة ويسالمهم، ويرى الطريق الوحيد هو التفاهم معهم.

فتألبت عليه الجموع؛ منهم من كرهه لصلفه، ومنهم من كرهه لعدله في إبطال السخرة والضرب بالكرباج، ومنهم من كرهه لسيرته مع الأجانب حتى سموه «رياضستون» على وزن «جلادستون»، ومنهم الطموح الذي كرهه لرجعيته، وشعر الناس بغضب الخديو توفيق عليه لأنه يعارضه في بعض أغراضه وتصرفاته، فشجعهم هذا على محاربته، وتخصصت جرائد لتجريحه وسبه، مع أنه كان مؤيدها من قبل أو خالقها.

هنا بذرت بذرة الثورة العرابية، وفي هذه الظروف كان الشيخ محمد عبده على رأس الوقائع وإدارة المطبوعات، فكان يهاجم لأنه من اتباع رياض، وكان هو نفسه يشعر بالحرية التامة في نقد الشئون الاجتماعية والعادات الدينية، لكنه يشعر ببعض القيود فيما يمس المسائل السياسية إما اعترافا بجميل رياض عليه وعلى أستاذه، وإما نزولا على مقتضيات الوظيفة، وإما اعتقادا بمذهب رياض في التدرج، وإما كلها مجتمعة.

حتى كانت الثورة العرابية. •••

يكاد يكون في كل جماعة نوعان من القادة: نوع طموح يريد القفز إلى الأمام ولا يرضيه السير البطيء، ولا التفكير الهادئ، ونوع يرى الخير في الهدوء والسير في معالجة الأمور برفق، والإيمان بقانون السبب والمسبب، فإن أردت النتيجة فكون مقدماتها؛ وهذا الميل إلى هذا أو ذاك يتبع المزاج الخلقي - أولا - والتربية والظروف - ثانيا - فمن الناس من خلق هادئ المزاج يصغي إلى حكم العقل، ومنهم من خلق ناري المزاج يحكم بعواطفه ويحكمها؛ وهذان النوعان يسميان أسماء مختلفة باختلاف الأمم والأزمنة: أحرار ومحافظون اشتراكيون وغير اشتراكيين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار إلخ. والمعنى واحد وإن تعددت الأسماء.

وكان في مصر في أول عهد الخديو توفيق بالطبيعة هذان المزاجان أو هاتان النزعتان كلاهما يتفق مع الآخر في وصف سوء الحال: الفلاح بائس وشقي وجاهل ومظلوم، ومصر كلها شقية بما جر إليها الخراب من إسراف وتبذير واستدانة، وهي شقية أيضا بتدخل الأجنبي وخاصة الإنجليز والفرنسيين في شئونها حتى تفاصيلها، وشقية بأداتها الحكومية من انتشار الرشوة والمحسوبية وتفصيل العنصر الشركسي والتركي على المصري، وشقية بأن سواد الشعب ضعيف، مستكين للظلم، لا يرفع صوتا من أي جور يناله، ولا يفهم أن له حقا يطالب به كل الأطباء من الفريقين متفقون على تشخصي المرض، فإذا هم أخذوا في وصف العلاج اختلفوا.

فأما فريق المحافظين فيرون برنامج العلاج:

أولا:

في نشر التعليم الصحيح بين أفراد الشعب، على أن يكون من أهم ما يشمله تفهيم الناس الحقوق والواجبات.

ثانيا:

استخدام الصحافة استخداما قويا في محاربة المفاسد وتنبيه الوعي القومي.

ثالثا:

الاجتهاد في أن يكون رئيس الحكومة حازما عادلا ينفذ الإصلاح المعتدل المنشود في قوة.

رابعا:

التدرج في الحكم النيابي بالتوسع في سلطة مجالس المديريات مثلا تبعا للوعي القومي، فإن رقي هذا الوعي بالتربية والتعليم نما المجلس النيابي تبعا له حتى يصبح بعد سنوات والوعي القومي قوي، والمجلس النيابي قوي، ولا فائدة من مجلس نيابي يوضع وضعا قويا ما لم تسنده الأمة والرأي العام. ولا يمكن ذلك الآن والأمة في حالة قل أن نجد فيها معارضا قويا يجرؤ على نقد الحكومة. وكان من هذا الرأي محمد عبده، وسعد زغلول، ومن لف لفهما، وبهذا دعوا فيما كانوا يحررون في الوقائع المصرية وفيما كانوا يقولون ويخطبون، وكانوا يرون في رياض باشا وهو على رأس الوزارة المحقق لهذا الغرض، فهو عدل نزيه حازم ميال للخير محب للإصلاح قابل للاقتناع ممن يثق به على الرغم من عيوبه الأخرى.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٢