وعين مدرسا للتاريخ في دار العلوم فلم يقرأ لهم ملخصا من ابن الأثير والطبري وإنما قرأ لهم مقدمة ابن خلدون، وألف لهم كتابا في «علم الاجتماع والعمران» فقد ولم يعثر عليه.
واتصل بالجرائد وخاصة الأهرام يكتب فيها مقالات في الإصلاح الخلقي والاجتماعي. •••
كانت مصر في آخر عهد إسماعيل هائجة مائجة إذ وقعت في الدين، فمكن هذا أوربا من التدخل في الشئون المصرية، ومراقبة ماليتها. فأنشئ صندوق الدين والمراقبة الثنائية سنة 1876م = 1293ه وتغلغلت سلطاتها في المصالح الحكومية باسم الدين. ومن الناحية الداخلية كان الوعي القومي ضعيفا لا يرى الناس لهم رأيا يصح أن يبدوه، وليس لهم أن ينقدوا عمل الحاكم، فما على الحاكم إلا أن يأمر وما على المحكوم إلا أن يطيع، فكانت هذه الأمور كلها مدعاة لأولى الرأي في الأمة أن ينهضوا بالصحافة ويشيعوها بين الرأي العام ويقووها، وتعاون على إنهاضها الخديو إسماعيل والسيد جمال الدين الأفغاني ورياض باشا؛ فأما الخديو إسماعيل فرأى من مصلحته ومصلحة الأمة أن تكون الجرائد حرة في نقد التدخل الأوربي، أما إذا نقد هو شخصيا فالعقوبة الشديدة، كما حدث لصاحب جريدة الأهرام لما أشار إلى مال صرف من الخزينة ولم يعلم مصيره، وكما نفي يعقوب صنوع صاحب جريدة «أبو نضارة» لانتقاده أعماله.
وأما رياض باشا فكان ذا رغبة إصلاحية في تنظيم الشئون المالية وتهذيب العقول وتشجيع الآداب، وكان مدركا الخطر الذي يهدد البلاد، فلعل في الجرائد وحريتها ونقدها وتنبيه الشعور القومي ما يدفع هذا الخطر، ولهذا شجع السيد جمال الدين وحزبه على الكتابة.
وأما السيد جمال الدين فثائر على سوء الحال في مصر وجمود الناس وبرودتهم إزاء ما يكتنفهم، فهو يريد أن يشعلها نارا، ولا أصلح لذلك من الجرائد، ولعل دروسه في الفلسفة لم تكن إلا ستارا لبث روح الثورة وإعداد طائفة من الشبان يتصلون بالصحافة ويكتبون.
ربى على هذا طائفة من الشباب الذين ذكرنا.
فبعد اتصال محمد عبده بالسيد بدأ يكتب في الأهرام في السنة الأولى من صدورها سنة 1876، وكان مجاورا، قبل أن ينال شهادة العالمية، فكتب مقالا في «الكتابة والقلم» وآخر في «المدبر الإنساني والمدبر العقلي الروحاني» وثالثا في «العلوم العقلية والدعوة إلى العلوم العصرية» إلخ، وهي مقالات تدل على تأثر بالكتب الفلسفية الشرقية التي درسها وعلى رغبته الخيرة في الإصلاح، وعلى ما يبشر بالخير منه أكثر مما تدل على أسلوب قوي وبلاغة ممتازة.
ثم اتصل بالصحافة اتصالا قويا بعد أن نال شهادة العالمية، بعد أن تنازل الخديو إسماعيل عن عرشه، وتولى توفيق ونفى أستاذه جمال الدين، وتولى رياسة النظار رياض باشا فجد في تنظيم شئون الدولة من مالية وأشغال ومعارف، وكان له ميل قوي إلى تشجيع الحركة الأدبية، فشجع بطرس البستاني على إخراج دائرة المعارف، وكان واسطة في أن يمنحه الخديو إسماعيل منحة مالية وعلمية، وشجع أصحاب مجلة المقتطف على نشرها، وشجع شبلي شميل صاحب مجلة الشفاء. ولما سمع بعزمه على السفر لدراسة الأساليب الحديثة لمرض السل أعانه إعانة مالية على ذلك.
واتجه فيما اتجه إلى إصلاح «الوقائع المصرية» واختار الشيخ محمد عبده لهذا الإصلاح، فضم محمد عبده إليه سعد زغلول، والشيخ عبد الكريم سلمان، وإبراهيم الهلباوي والشيخ محمد خليل والسيد وفا. وكان من وسائل إصلاحهم إنشاء قسم في الوقائع غير رسمي بجانب الأخبار الرسمية تحرر فيه مقالات أدبية اجتماعية إصلاحية، وكان الشيخ محمد عبده هو المحرر الأول.
مكث الشيخ محمد عبده في هذا العمل نحو ثمانية عشر شهرا. وفي الحق أنه برهن فيها على شخصية قوية، فجعل من هذا العمل العادي رقابة على المصالح الحكومية ومنبر للدعوة إلى الإصلاح، فاستصدر قرارا بلائحة تجعل جميع إدارات الحكومة ومصالحها الكبرى ملزمة أن تكتب إلى إدارة المطبوعات بجميع ما لديها من الأعمال الهامة والتي تنوي عملها، والمحاكم أن ترسل جميع نتائج أحكامها وتبيح لإدارة المطبوعات حق النقد لأي عمل من الأعمال حتى وزارة الداخلية التي يتولاها رياض باشا والتي تعد إدارة المطبوعات تابعة لها، وأن تسأل كل مصلحة عن حقيقة ما وجه إليها من نقد في الجرائد العربية والأفرنجية، وعلى الجملة جعلها أداة إشراف على الحكومة وعلى ما ينشر في الجرائد العربية من حيث لغتها وموضوعها، وعلى الجرائد الأجنبية من حيث نقدها، وقد وافق هذا هوى في نفس رياض لأنه يمكنه من ضبط الأمور والإشراف على الجرائد. وقد كتب في هذا العهد مقالات كثيرة أهمها في نقد نظارة المعارف، وكان من أثر ذلك إنشاء المجلس الأعلى لها واختياره عضوا فيه، ونقد لبعض الأخلاق والعادات الاجتماعية والدينية، وتوضيح لنظام الشورى وما يصلح منه في مصر، وأحيانا تصريحا أو تلميحا في تأييد لوزارة رياض باشا ومدحها.