تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن دروس الشيخ الطويل تفتح شهية الشيخ محمد عبده ولا تغذيه، فيجد الغذاء الكافي عند السيد جمال الدين عند حضوره إلى مصر، فيتصل به ويلازمه وتتفتح له آفاق كانت مغلقة ويحس أنه وجد طلبته. •••

كان السيد جمال الدين الأفغاني شعلة ذكاء، وقوة هائلة، متحركة محركة، لا يمسها ماس إلا شحن من كهربائه على قدر استعداده، دائم التفكير دائم القول لمن يفهم ومن لا يفهم، دائم النقد، دافع للحركة والثورة والهيجان في المطالبة بالحقوق، حيثما حل رأيت نارا تشتعل وأفكارا تهيج، ومطالب تطلب، وحكومة تضطرب قد حدد غرضه في الحياة ووهب نفسه للوصول إليه، وهو إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها، وتبصرة شعوبها بحقوقها، ورفع نير الأجنبي عنها، وتحديد مركز الحاكم والمحكوم فيها، وربط هذه الدولة كلها برباط واحد مع الخلافة في الأستانة.

ووسيلته في ذلك تنوير عقول الخاصة من أبناء كل دولة حتى يعرفوا مركزهم، وإعدادهم لمهاجمة الغاصبين من الأجانب والمستبدين من الحكام، ثم هؤلاء يعملون لتكوين الرأي العام بكتابة المقالات في الجرائد والمجلات والخطب في المحافل، والأحاديث في المجالس؛ وكلما كانت المقالات والخطب أحر نارا وأجهر بالرأي وأصرح في الدعوة إلى العمل كانت أجود وأنسب. هذه خطته في كل بلد يحله.

اتصل به في مصر محمد عبده، وسعد زغلول، وإبراهيم اللقاني، وإبراهيم الهلباوي. كما اتصل به في مجالسه الخاصة محمود سامي البارودي، وإبراهيم المويلحي، وأديب إسحق وغيرهم، كان له درس علم في بيته، ودروس سياسة واجتماع في مقهاه الذي يجلس فيه، وحيث يكون زائرا أو مزورا.

وكان أقربهم إلى نفسه محمد عبده؛ قرأ فيه «السيد» الذكاء وحسن الاستعداد وطيب القلب والحماسة للإصلاح، وقرأ محمد عبده في أستاذه سعة العقل، وصحة الإرشاد، والسمو في النفس، ونبل الغرض، وشيئا جديدا لم يره في الأزهر.

لم تكن الكتب التي قرأها عليه محمد عبده ذات قيمة في نفسها، فهي من جنس ما كان يقرؤه على الشيخ حسن الطويل، ولكن العبرة ليست بالكتاب، ولكن بشارح الكتاب، والعالم الماهر يستطيع أن يصب كل تعاليمه أثناء كلامه على نملة أو نحلة، ورأى جملة في نظره يستطيع أن ينفذ منها إلى العالم الفسيح.

استفاد محمد عبده من السيد بصرا بالدنيا التي حجبها الأزهر، وتحولا من تصوف خيالي إلى تصوف فلسفي عملي، ورغبة صادقة في العمل للأمة، وشوقا إلى الإصلاح الديني والخلقي والاجتماعي، وميلا ملحا إلى إجادة قلمه حتى يتصل بالرأي العام عن طريق الكتابة في الصحف.

وأحسن الشيخان وحدة الغرض والانسجام فتلازما وتحابا، يحب محمد عبده أستاذه حب إجلال، ويحب الأستاذ تلميذه الكبير حب رعاية وأمل في استخلافه، ووثق الصلة بينهما اشتراكهما في الإباء والعلو والعظمة، إذ يترفعان عن الناس في غير كبر، ويستصغرانهم في عطف من غير احتقار. يقول محمد عبده: «إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها علي ومحروس (وهما أخوان له كانا مزارعين) والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين». •••

نال الشيخ محمد عبده شهادة العالمية من الأزهر فلم يكن كغيره كساقية جحا تملأ من البحر وتصب في البحر، بل علم في الأزهر، وعلم في دار العلوم، ومدرسة الألسن، واتصل بالحياة العامة. •••

لم يعلم في الأزهر النحو والفقه كما كان يفعل غيره من المشايخ وخاصة المبتدئين بالتدريس، فالنحو والفقه كما يدرسان في الأزهر من العلوم النقلية وهو يريد أن يربي العقل، ويفهم الكون، ويهذب الخلق. كان يقرأ في الأزهر أو ملحقاته درسا في المنطق والفلسفة والتوحيد، وكان يقرأ في بيته لبعض الطلبة تهذيب الأخلاق لمسكويه، واعجب له يقرأ لهم أيضا «تاريخ المدنية في أوربا وفرنسا» لمؤلفه الفرنسي «فرانسوا جيزو» الذي عربه «حنين نعمة الله خوري» وسماه «التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٠