واشتهر من فطاحل العلماء في هذا العصر الشيخ أحمد الرفاعي هذا، وأساس شهرته أنه يحسن فهم الكتب ويستطيع تحليل الجمل وإثارة الشبهات حولها حتى يعقد السهل ويغمض الواضح. والشيخ عليش وهو شيخ من أصل مغربي شهرته في تدينه وعصبيته ورميه الناس بالكفر لأوهى سبب وضيق أفقه وشدة غيرته على الدين بالمعنى الذي يفهمه. ولكن كان هناك آخرون هيأتهم الظروف لأن يتصلوا بالدنيا وحركة التعليم المدنية فاتسع أفقهم كالشيخ البسيوني إمام المعية، وكان ظريفا في شكله وفي ملبسه وفي تأليفه، والشيخ حسن الطويل، وكان ذكيا حكيما له نظرات في الحياة صائبة، يقرأ الفلسفة فيرمى بالزندقة.
هذا هو الأزهر الذي رآه محمد عبده. يقوم التعليم فيه على الفلسفة اللفظية، ويعلم طالبه الدقة في الفهم والقدرة على الجدل، وهذه محمدة، ولكن مع الأسف لا تستخدم هذه الدقة ولا الجدل إلا في الألفاظ، وتجعل صاحبها غارقا في الاحتمالات مما يراه في الحواشي والشروح من التأويلات، فكل شيء يجوز حتى دخول الجمل في البندقة على حد تعبير الشيخ محمد عبده نفسه يتم الطالب الدراسة فيه فيخرج فاهما لبضعة كتب، أما الدنيا وشئونها فإنه يجهلها كل الجهل، فلا جغرافيا ولا تاريخ ولا طبيعة ولا كيمياء ولا رياضة، فكل هذه علوم أهل الدنيا، وما للآخرة والدنيا! ومع هذا فالنزاع على الجراية كثير وعلى الوظائف الصغيرة أكثر، كل شيء خارج عن المألوف كفر أو حرام أو مكروه؛ فتحويل «الميضأة» القذرة إلى «حنفيات» حرام وذهاب للبركة، وقراءة كتب في الجغرافيا أو الطبيعة أو الفلسفة حرام، ولبس «الجزمة» بدعة.
فإن تحركت نفس صالحة للإصلاح خنقت دعوتها في مهدها ورميت بالزندقة.
ومثل هذه البيئة تنتج عقولا جامدة ونفوسا خامدة إلا أن يتداركها الله بمدد من الخارج، وقد ذكر الشيخ محمد عبده نفسه أنه حاول أن يغسل أثر هذه البيئة فنجح في بعض وفشل في بعض، فإن رأيت نابغة خرج منها فبرغمها لا بفضلها. ومن الأسف أن ولاة الأمور من أول الأمر مع علمهم بنقصه وحاجته إلى الإصلاح خوفا من العلماء والرأي العام تركوه وشأنه يأكل بعضه، وأنشأوا بجانبه المدارس المدنية يشكلونها كيفما يشاءون. •••
في هذا الجو عاش صاحبنا نحو اثني عشر عاما، من سنة 1282-1294 حيث نال شهادة العالمية من الأزهر.
وفي هذا الجو المظلم كانت تلمع ثلاثة نجوم أضاءت جوانب نفسه: الشيخ درويش والشيخ حسن الطويل والسيد جمال الدين الأفغاني.
فالشيخ درويش كان يلقاه الشيخ محمد عبده في بلده في الإجازة من نصف شعبان إلى نصف شوال كل عام، فيتمم له ما بدأه منذ لقنه الدرس الأول في التصوف وتنقية العقيدة، ويعرض عليه الشيخ محمد عبده ما درسه في العام وما في نفسه من أزمات فيتلقى ملاحظات الشيخ وإرشاده، وقد لقنه درسين جديدين هامين: الأول نقده الشيخ عبده لعزلته وعدم اتصاله بالناس وقصر عنايته على تكميل نفسه من غير اتجاه إلى إصلاح من حوله، ولم يكتف الشيخ درويش في ذلك بالكلام النظري بل حمله على أن يغشى المجتمعات في البلد معه ويتحدث إلى الناس ويعظهم ويذكرهم، ويدعو محمد عبده للتحدث معهم كحديثه ونصحهم كنصحه، وهو درس انتفع به محمد عبده ونفذه طول حياته إلى نفسه الأخير، فإن زاد السيد جمال الدين شيئا في هذا الدرس فهو تعليمه كيف يختار موضوعات الكلام في الإصلاح. والدرس الثاني الذي علمه الشيخ درويش هو هدمه للنظرية الأزهرية التي تقول إن هناك علوما تعلم وعلوما لا تعلم، فكسر الشيخ درويش هذه الحدود وقرر أن كل العلوم يجب أن تعلم ويجب أن يطلبها الطالب ما أمكن، ولا يستثني من ذلك شيئا إلا ما يتخذ شكل العلم وليس بعلم كالسحر والشعوذة أما المنطق والفلسفة والرياضيات وما إلى ذلك فليست بحرام بل هي واجبة على طالب العلم. ومن أجل ذلك عاد الشيخ محمد عبده إلى الأزهر يطلبها فوجدها عند الشيخ حسن الطويل، وهو شخصية غريبة، ذكاء حاد، ومعرفة بالرياضات حتى كان يحل لطلبة دار العلوم ما أشكل عليهم من تمرينات هندسية، واتصال بكتب الفلسفة القديمة وعلم بمصطلحاتها ومعرفة بالدنيا وبالسياسة، وشجاعة في الكلام بما يعتقد ولو حرم منصبه في دار العلوم، وزهد في الدنيا حتى لا يهمه منها شيء، يلبس قفطانا من البفتة وجبة من البفتة أيضا، ويقال له: إن علي مبارك باشا سيزور دار العلوم غدا فيعزم أن يلبس كما يلبس كل يوم، فينصح بأن يتخذ شيئا من الأناقة، فيقول: إذن أبعث بجبة من الصوف وقفطان من الحرير إلى دار العلوم، أما إن أردتم «حسن الطويل» فهو هو في ملبسه. ويدعى إلى موائد الأغنياء للإفطار في رمضان فيأكل من طبق الفول ويزهد فيما عداه، ويطرد من دار العلوم لكلامه في السياسة فينفق عليه صاحب مقهى بلدي، فإذا عاد إلى عمله سلمه الشيخ حسن الطويل مرتبه ليصرف عليه كما كان يفعل وهو مطرود. ويدرس في الأزهر الفلسفة والمنطق فيحضر دروسه نخبة من الطلبة مثل محمد عبده فيرمى هو وتلاميذه بالزندقة.