تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد: فأي ذلك خير للأمم؟ أن تنتصر في هذه الحرب الصحف والمجلات أم تنتصر الكتب؟ وماذا أفادت هذه الحرب؟

الحق أننا استفدنا كثيرا من هذا النزاع، وتحققت به الرغبات المختلفة، فإن صعبت قراءة الكتب في أوقات الرياضة وحين الانتقال من مكان إلى مكان، في الترام أو القطار أو البواخر، فالمجلات والصحف أوفى بتحقيق هذا الغرض، يسير ثمنها، سهل حملها، خفيفة موضوعاتها.

وإن صدعتنا الكتب أحيانا بما فيها من ثرثرة ومن صفحات لا قيمة لها، ليست إلا تمهيدا سقيما لفكرة قد تكون سقيمة، فقد نجد في المجلات المحترمة عصارة مركزة لأفكار قيمة هي خلاصة لشيء كثير ركزت في قول وجيز.

وإن أفرطت الكتب في الالتفات إلى الوراء بالبحث عما قبل التاريخ وما بعد التاريخ وثورات الأمم، وحروب الأعداء، وسيرة الملوك والخلفاء والأمراء، فالصحف كفيلة أن تلفتنا كثيرا إلى الحاضر، وتضع يدنا على الواقع، وتقفنا على العالم الذي نعيش فيه، وتعرض علينا مشكلاتنا الحاضرة. وما عملته عقول المفكرين الأحياء في حلها.

وإن غلت الكتب في أكثر الأحيان في عرض النظريات العلمية والأدبية في شكل جاف وأسلوب بغيض، فالصحف والمجلات تأخذ على عاتقها أن تصوغ ذلك كله صياغة أدبية فيها كثير من الخيال الشعري، وفيها كثير من لباقة الأدب وطرافته.

ولئن كانت الكتب أرستقراطية في جميع نواحيها، أرستقراطية في ثمنها، أرستقراطية في معلوماتها وموضوعاتها، أرستقراطية في قرائها، فالصحف والمجلات ديمقراطية في كل ذلك. ومن أجل هذا انتشرت الصحف والمجلات، وانتصرت في عهد الديمقراطية، وكانت الكتب في أوجها وعزها في عصر الأرستقراطية.

ولكن من الحق أن نحتفظ بأرستقراطية الكتب وأرستقراطية العقول التي تتطلبها، فهؤلاء الديمقراطيون الذين يقرأون، وهذه الصحف والمجلات الديمقراطية تعيش وتنتشر وتتغذى بهؤلاء الأرستقراطيين الذين عاشوا على الكتب وأنتجتهم الكتب.

في الصحف والمجلات عيوب لا تصلحها إلا الكتب، ذلك أن الصحف والمجلات بحكم ديمقراطيتها وملابستها للجمهور ومراعاتها أكبر عدد ممكن من المثقفين، تضطر إلى تخفيف ما يتقطر من المعلومات إلى الشعب، فهي إن صلحت غذاء للعقول البسيطة والعقول المثقفة ثقافة واسعة غير عميقة، فلا تكفي وحدها للعقول القوية والعقول الشرهة والعقول التي تحترف هضم الأفكار وتتطلب دائما أفكارا جديدة وأفكارا عميقة، وتتطلب أن تلم بالشيء من جميع نواحيه، وبالنظريات في أطوارها المختلفة، وهي لا تجد ذلك إلا في الكتب.

خير للأمم أن تظل هذه الحرب قائمة أبدا، وأن يكون النصر سجالا أبدا، وألا ينتصر أحدهما انتصارا يبيد الآخر؛ فذلك أدعى أن يدخل أرباب الصحف والمجلات التحسينات على صحفهم ومجلاتهم دائما، وأن يتملق مؤلفو الكتب العقول بوضع مؤلفاتهم في شكل سائغ وأسلوب مقبول.

| إلى أخي الزيات1

سعيت أمس لعزائك، في «رجائي» و«رجائك»، فرأيتك واجما ساهما، والها مدلها، فانعقد لساني، وتخلف ذهني، وفاض دمعي.

وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؛ أو كيف أستطيع أن أخفف ما بك وما استطعت أن أخفف حزني؟

رأيت بك كمدا باطنا، وحزنا مكتمنا، فعلمت أنك تتجرع غصص الهم، وتختزن برحاء الكرب، فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة، وتنفس عن نفسك بدمعة، ولكن عز الصبر وعز الدمع، فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المراثر.

وا رحمتاه لك! لقد كان «رجاء» قبلة رجائك، ومعقد آمالك، وحديث أحلامك، وملء سمعك وبصرك، تشوفته حياتك، وترقبته مطلع شبابك، حتى جاد به الزمان البخيل، فربطت أسبابك بأسبابه، وتطقت بأهدابه ، فلما شمت مخايله، ورقبت منه النجح، عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقا، ولا يثبت على عهد، فأخلف ظلك، ونقض أملك، فإذا الدنيا أضغاث أحلام، ووساوس أطماع.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣