والحرب بين الصحف والكتب تدور على القراء؛ فهم ميادين القتال، وهم المستعمرات التي تحاول كل ناحية أن تشملها بنفوذها، وتبسط عليها سلطانها، وتأخذ صكا عليها بالاحتلال، أو كما يعبرون عنه باللغة الحديثة «الانتداب»، وحددت كل طائفة مطالبها واطمأنت إليها.
هناك طائفتان خرجتا من دائرة النزاع، وهما الطائفة المثقفة ثقافة دنيا، والطائفة المثقفة ثقافة عليا؛ فأما الأولى فقد احتلتها الصحف والمجلات وكسبتها كسبا نهائيا؛ وهم بهذا الاحتلال راضون مطمئنون لا يضجون بشكوى ولا يرفعون احتجاجا، ولا ينادون باستقلال، وقد يئست منهم الكتب وأخرجتهم من منطقة نفوذها، واعترفت بهزيمتها أمامهم هزيمة منكرة؛ هؤلاء هم طبقة العمال ومن في درجتهم، وتلاميذ المدارس الذين لم يتموا دراستهم، والطبقة الغالبة من الآنسات والسيدات المثقفات إلى حد ما. وأما الطائفة الأخرى وأعني بها المثقفين ثقافة عليا، فلا غنى لهم عن الكتب؛ لأنهم يرونها غذاءهم الدسم وعمادهم في حياتهم الفكرية، وهي التي تحقق مطالبهم، وتحاول أن تحل لهم ما يعرض لهم من مشكلات عقلية؛ وهؤلاء أمثال رجال الجامعات والقضاة والفلاسفة والأدباء والعلماء ومن يتصل بهم ومن ينهج منهجهم، ويعد نفسه للوصول إلى درجتهم؛ وهم يقرأون الصحف لأخبارها والمجلات لطرافتها، واعتمادهم الحقيقي في علمهم وأدبهم على الكتب غالبا.
وبين هاتين الطبقتين طبقات لا عداد لها هي محل الحرب بين الصحف والكتب، وهي موطن النزاع، وهي الغرض الذي يرمي إليه كل للاستيلاء عليه؛ والحرب على هذه الطوائف سجال، يوما تنتصر المجلات والصحف فتشعر الكتب بالفشل، ولكن سرعان ما تتخذ التدابير للهجوم، ويوما تنتصر فيه الكتب فتشعر الصحف بلذعة الهزيمة ثم تستعد للوثبة، وهكذا دواليك.
ولكل جبهة من هذين المعسكرين وسائل للقتال وآلات للحرب، تقوم لها مقام الطيارات والغواصات والدبابات والغازات الخانقة في الحروب البدنية. وأنا أسوق لك طرفا قليلا من هذه الوسائل:
فالصحف أخذت من جانبها تعد صفحات فيها لأنواع الثقافة المختلفة: فصحيفة للأدب، وصحيفة للعلم، وثالثة للاقتصاد، ورابعة للقانون، وخامسة للفن وهكذا، تريد بذلك أن تغني القراء عن الكتب، وتملأ شهوتهم للمطالعة والقراءة، ثم هي تجذب إليها أعلام الكتاب والأدباء والعلماء، وتطلب إليهم أن يوافوها بفصول من علمهم وأدبهم حتى يقبل القراء على صحفهم، ويرووا لذائذهم من قادتهم فلا يحتاجوا بعدها إلى الكتب؛ ثم هم يثيرون النزاع بين الكتاب في مسائل هامة، ويوقدون النيران ليزيدوا الحرب اشتعالا؛ وهي كلما اشتدت نيرانها كثر قراؤها، وانقسموا قسمين أو أقساما، وتشيعوا شيعا، فهذا مؤيد وهذا مفند، والخسران في كل ذلك على الكتب.
والمجلات من جانبها تحارب الكتب بشتى الوسائل؛ فأحيانا تستغل شهوة الجمهور بالكتابة في النواحي الحساسة فيهم، فنقدم لهم ما يشتهون، وتعلمهم منها ما يجهلون، وأحيانا تسلك سبيلا أشرف من هذا، فترفع مستواها وتصل إلى حد الكتب في بحثها أو خير منها، وتقدم لقرائها صورا جذابة، وخرائط مبينة، فتستهوي القراء، وتجذبهم إلى مطالعتها، ويجدون فيها من التنوع والتعرض لشتى الموضوعات ما لا يجدونه في كتاب؛ وأحيانا ترقى إلى أكثر من ذلك كالذي نجده في الغرب من مجلات دورية للجغرافيا وللتاريخ وللطبيعة وللكيمياء وللأخلاق والاجتماع وهكذا؛ يعكف على الكتابة فيها خاصة الخاصة، ويفخر العالم بأن المجلة قبلت مقالته فنشرتها، ويجد فيها القارىء أرقى ما وصل إليه العلم من نظريات ومكتشفات، فهي من هذه الناحية سمت على أكتاف الكتب وحلقت فوقها.
هذا قليل من كثير من حرب الصحف والمجلات للكتب. وأما حرب الكتب لها فأكبر مظهر لذلك ما نراه سائدا في عصرنا من محاولة المؤلفين الوضوح والإبانة ليصلوا بمعلوماتهم إلى أكثر الأوساط وأقلها ثقافة، واحتيالهم في أساليب الكتابة حتى يتعرضوا إلى أعقد المسائل وأعوص المشكلات، فيعرضوها في شكل لذيذ جذاب، فتشعر كأنك تقرأ قصة أو تستمتع برواية، ثم هم يشوقون القارىء بشتى الأشكال فيسمون الكتاب «قصة الفلسفة» أو يسمون كتب التاريخ «قصة الأمم» ونحو ذلك؛ ثم يودعون الكتب من الصور الملونة للمناظر العامة والأشخاص وعظماء الناس ما يسهل عليك دفع الثمن واقتناء الكتاب، وهم من حين لآخر يهاجمون المجلات بإخراج الكتب على شكل مجلات دورية، فيخرجون «دائرة معارف الأطفال» عددا في كل خمسة عشرة يوما، ويستمرون في ذلك سنوات، حتى إذا فرغوا من ذلك عجبت أن أصبح لديك كتاب ضخم في عشرة مجلدات أخذته بشكل مجلة؛ فإذا انتهوا من ذلك عمدوا إلى كتاب آخر عنوانه «خلاصة العقائد الحديثة» ومن هذا القبيل كثير.