ولكن يا أخي - ما الجزع مما لا بد منه، وما الهلع مما قدر، ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهونها؟ أفليست إلا مرسحا تمثل عليه أدوار مختلفة، مرة مهزلة، ومرة مأساة، ونحن في حين ممثلون، وفي حين ناظرون. وليس لنا أن نبالغ في الألم، ونغلو في الجزع؛ فقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبدا، وعشنا بعده أبدا، وإنما الأمر دور يعقب دورا، ولا حق منا إثر سابق، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأي سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل، ونبكي على الميت ونود أن لو بقي ليستمتع بها، ويتذوق طيباتها؟ إنما هي سلسلة عناء، وضروب شقاء، تنوعت ألوانها، واتحدت حقيقتها. ولو أنصفنا لغبطنا من مات، وأشفقنا على من بقي، ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها، ووفر على نفسه عبثا ثقيلا ينتهي مختصره بما ينتهي به مطوله، وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس، من أن تذهب، وهي ذابلة يعافها الناس.
فخذ الحياة كما هي، ليل ينقضي في إثر ليل، وقوم في إثر قوم، وحادث يستذرف الدمع، يعقبه حادث يخفف الهم، وقل كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
أعزي النفس عنه بالتأسي
وليس الوفاء للميت بالإفراط في الحزن، والإمعان في البكاء، إنما الوفاء بمقابلة دواعي الحزن بدواعي الصبر. وليست الحكمة في إضعاف الحي من أجل الميت، إنما هي في إحياء الحي من أجل الحي والميت.
وقد أخطأ الناس فغلوا في استفظاع الموت والاحتفاء به، وهولوا في الاستكثار من مظاهره؛ ولو عقلوا لقابلوا كما يقابل كل قانون طبيعي في هذا العالم، زهرة تنضر وتبذل، وشمس تطلع وتغرب، ونجم يتألق ويأفل، وسماء تصحو وتغيم؛ ولو عقلوا أيضا لرددوا هذا المعنى في نفوسهم، واطمأنت له عقولهم، فإذا كان فهو ما تخيلوه، وإذا حدث فهو ما توقعوه، وإذا لخف الألم وانقطع الجزع.
أي أخي - ليكن ما أراده الله، ولنلون حياتنا بلون من ألوان التصوف، رضاء بالقدر، واستخفاف بالعالم وما فيه، وطمأنينة إلى قوانينه، وإيمان بعظمة الله وسلطانه، والتجاء إليه أن يتولاك برحمته ويظلك بإحسانه.
أي أخي - لقد أصبحت منسرق القوة، ضعيف البنية، مرهف الحس، رقيق الصحة. ولئن كان الانتحار جريمة لا تغتفر، وبأسا لا يرضاه الله، فليس هو - فحسب - في إطلاق عيار ناري، أو إلقاء النفس في اليم، أو ما عهدت من ضروب إزهاق الروح؛ ولكن من ضروبه أيضا الاستسلام للحزن، والتسمم بالغم، والاسترسال في أسباب الكرب، فهو انتحار بطيء ولكنه شر من الانتحار العاجل؛ أعيذك بالله منه، وأربأ بنفسك عنه.
فهون على نفسك، وإن خاب رجاؤك في «رجاء» فحقق الله أملك في «علاء»، وعش له ولنفسك وللناس.
أحسن الله عزاءك، وأجمل صبرك، وأجزل أجرك.
| إنسان ناجح
صخري الوجه صلب الجبين، لم يعرف يوما حمرة الخجل، ولا برقع الحياء، لا يتوقى شيئا، ولا يبالي ما يقول.
إن كان لكل الناس وجه ولون ولسان؛ فلهذا المخلوق أوجه وألسنة وألوان. هو صديقك وعدوك حسب الظروف الخارجية، لا حسب ما يصدر منك، وهو مادحك وذامك حسب ما يدور في المجلس، لا حسب رأيه، وهو عابس لك يوما باسم يوما حسب ما يقدر هو أنه في مصلحته، لا حسب ما تستحق أنت منه.
له حاسه زائده عن حواس الناس الخمس هي سر نجاحه؛ ولهذه الحاسة خصائص: فهو يدرك بها أي نوع من الوزارات ستتولى الحكم ليحول نفسه على وفقها، وليتجهم لأعدائها، ويتقرب من أحبابها؛ ويشم بها مواطن المال في كل ظرف، ويرى بها من يجلب له النفع. ويؤقلم وفق ذلك نفسه، فيتشكل بأشكال في منتهى الظرف والطلاوة، فإذا عدوه اللدود بالأمس صديقه الحميم اليوم.
ويعرف بها - في مهارة عجيبة - موضع الضعف من كل إنسان يهمه! فإن كان يعبد النساء حدثه أعذب الحديث في النساء والجمال وحسن الشكل، وبدع المحاسن، وجمال الملامح، واستعرض نساء البلد ونساء الفرنج، وأية حوراء العينين، كحلاء الجفون، ساجية الطرف، فاترة اللحظ، وأية أسيلة الخد، ممشوقة القد، وأية بيضاء اللون، شقراء الشعر، زرقاء العين، وأية سوداء العين، سمراء اللون، سوداء الشعر، وأية ممتلئة البدن، ضخمة الخلق، شبعى الوشاح، وأية دقيقة الشبح، نحيلة الظل، مرهفة الجسم؛ وتفنن في ذلك ما شاء أن يتفنن حتى يملك لبه، ويستعبد عقله، فإذا هو طوع بنانه ومستودع أسراره.