تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والطالب المجد يصحو عند أذان الفجر فيصلي الصبح ويذهب إلى الأزهر ليحضر درس الفقه ويستمر الدرس إلى الضحى، والشيخ يقرأ في الكتاب وهو متربع على كرسي حوله الطلبة، فإن كان عدد الطلبة قليلا استغنى عن الكرسي وجلس على «فروة»، أما الطلبة فيتربعون على الحصير، ومن كان منهم من أبناء الأعيان جلس كذلك على فروة، والشيخ يقرر الجملة ويشرحها والطلبة يسمعون أو يعترضون والشيخ يجيب، وأحيانا يحتد الشيخ فيضرب أو يلعن، ولا ينتقل الشيخ من جملة إلى جملة إلا بعد أن يقتلها بحثا، وقد تضيع الساعتان أو الثلاث في سطر إذا اقتضى الحال، فإذا ختم الشيخ درس الفقه بقوله: «والله أعلم» انصرف الطلبة يبحثون عن «فطورهم» فمن كان منهم له «جراية» - وهي رغيفان أو ثلاثة أو أربعة تسلمها من رواقه وخرج إلى محيط الأزهر حيث دكاكين الفول المدمس والطعمية فاشترى منها ما شاء، وإن كان طالبا متقدما بعث طالبا صغيرا يقوم عنه بهذا العمل، وإن كان فقيرا باع رغيفين أو أكثر من الجراية ليشتري بثمنها إداما، وإن كان مترفا استعاض عن الفول بالجبن والزيتون والحلاوة الطحينية في بعض الأيام، وإذ ذاك ترى الأزهر كله مائدة للطعام، حلقات، حلقات وعد هذا فطورا وغداء معا.

فإذا انتهى الطلبة من هذا جلس المجدون يطالعون درس النحو القادم، فإذا فرغوا منه كان الظهر قد أذن فتقام الصلاة ويبدأ درس النحو على نحو درس الفقه فيمتد ساعات وقد يصل إلى العصر.

وبعد استراحه الطالب يعد درس الفقه القادم وينتهي بذلك يومه العلمي فيعود إلى بيته، وإن احتاج إلى ضوء فمصباح يشتعل بالجاز بواسطة فتيلة من غير زجاج، ولا بأس بدخانه، وإذا اشترك جماعة في غرفة وكانوا فقراء تقاسموا ثمن الجاز كل عليه ليلة أو أسبوع، وقد حدث الهلباوي أنه تنازع مع زميله على ثمن الجاز لأنه لم يشأ أن يدفع نصيبه.

ويتدرج الطالب في الكتب، كل سنة كتاب في الفقه وكتاب في النحو إلا إذا طال الكتاب فيقرأ في أكثر من سنة، ولكل كتاب تقريبا متن هو الأصل وشرح يشرح المتن، وحاشية تشرح الشرح، وقد يكون تقريرا يشرح الحاشية، والشيخ يطالع كل هذا استعدادا لما يمطره الطلبة عليه من الأسئلة، فيبدأ الشيخ بقراءة المتن ويشرحه بجميع ما كتب عليه مناقشا مهاجما مدافعا حتى تنتهي المعركة بانتهاء الدرس.

وإذا انتهت كتب الفقه حل محلها كتب أصول الفقه، وإذا انتهت كتب النحو حل محلها كتب البلاغة.

وعلى هامش هذه الأوقات قد يحضر الطالب المتقدم دروسا صباحية بعد صلاة الفجر مباشرة، أو دروسا مسائية بعد المغرب في علوم أخرى كالتفسير والحديث والمنطق.

وليس بالنادر أن نسمع صيحة تقوم في الدرس أو قبله أو بعده لاختلاف طالبين على مكان في الحلقة أو نحو ذلك، فيتضاربان، ويتعصب أهل الصعيد للصعيدي، وأهل البحيرة للبحراوي، فتكون معركة حامية يتدخل فيها جنود الأزهر المسمون بالمشدين.

فإذا مررت بصحن الأزهر رأيت حصرا مفروشة نشر عليها خبز مما أرسله أهل المجاورين إليهم ليتجفف في الشمس خوف العفن.

ورأيت ثيابا منشورة ومياها مصبوبة إلخ وفي الدروس ترى مريضا بجانب صحيح، وقذرا بجانب نظيف، ولم يفكر أحد في إشراف طبيب.

وقل أن تسمع مدرسا تعرض في درسه لمسألة خلقية أو حث على فضيلة أو حذر من رذيلة.

كل الكتب التي تدرس في الأزهر من نتاج العصور المتأخرة، تحدرت من العصور الزاهية، ولكن عدا الزمان عليها فأفقدها روحها فصارت شكلا. النحو كان يراد منه النطق الصحيح والكتابة الصحيحة وفهم كتب الأدب فهما صحيحا فصار مجرد تفهم لألفاظ المؤلفين في النحو. وأصول الفقه كان يقصد منه التمرين على الاجتهاد في التشريع فأصبح ولا اجتهاد ولا تشريع. والبلاغة كان يقصد منها كيف يكتب القول البليغ فصار المؤلفون فيها أعاجم لا يحسنون التعبير كالسعد التفتازاني، حتى أباح لنفسه الشيخ أحمد الرفاعي أن يدرس أكبر كتاب في البلاغة وهو المطول، ثم يعترف أنه لا يحسن أن يكتب خطابا ولو غير بليغ، لأن هذا من عمل تلاميذ المدارس المدنية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٢٨