تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتصل به محمد عبده فكان شخصا آخر. ولم يكن ذلك عن عصا سحرية ولا معجزة سماوية، وإنما هي ظاهرة طبيعية. كان عند محمد عبده عقدة نفسية كونها شرح الكفراوي على الأجرومية، فاعتقد أنه لا يفهم ولن يفهم، فما فائدة الاستمرار؟ وهذا يذكرنا بعقدة مثلها حدثت لعلي مبارك عند تعلمه للهندسة، فقد صدم بقولهم المثلث (ا ب ج) فظن أن هذا اسم ثابت لهذا المثلث لا يصح أن يتغير، كمن سمي بأحمد لا يصح أن يسمى بمحمد، وتعقدت هذه المسألة في نفسه فمنعته من أن يفهم أي شيء، حتى رزق بمدرس ذكي واضح أدرك العقدة فحلها، ففتح الباب أمام علي مبارك وصار أولا بعد أن كان آخرا. كذلك حل الشيخ درويش عقدة محمد عبده بأن أعطاه كتابا سهلا في المواعظ والأخلاق، وجعله يقرأ وأخذ الشيخ يشرح، فإذا بالطالب يفهم، وإذا العقدة تحل، ويعتقد محمد عبده أن في الإمكان أن يفهم.

ودرس آخر علمه له الشيخ، وهو درس «القيم» فقد كان محمد عبده كعامة الناس يرون مظاهر الحياة من مال وجاه وزينة وتفاخر وتكاثر في أعلى القائمة، وأن المسلم بنطقه بالشهادتين سيد الناس ولا بأس بما ارتكب، فمصيره الجنة، فجاء الشيخ ومحا له هذه القائمة وأثبت غيرها، وجعل القائمة الجديدة مطلعها العمل الصالح بدل المال والجاه، وأن اسم الإسلام لا يصح أن يكون مخبأ ترتكب فيه الجرائم؛ فالإسلام عقيدة وعمل لا ألفاظ سيالة تنتهي بمجرد النطق. وأن المسلمين محاسبون على أعمالهم كغيرهم، وأن أكثر من يسمون مسلمين لا يصح أن يدخلوا في عداد المسلمين، وأن التعاليم الفاسدة ليست من الإسلام في شيء، وأن أساس الإسلام وأساس العقيدة الصحيحة هو القرآن والقرآن وحده، وأن خير عبادة هو تفهم معانيه.

وكان الشيخ درويش متأثرا بتعاليم السنوسية التي تتفق مع الوهابية في الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الأول في بساطته الأولى وتنقيته من البدع، وذلك على أثر رحلته إلى طرابلس الغرب واجتماعه بأتباع السنوسي هناك.

في سبعة أيام تغير محمد عبده الذي يريد الزراعة والتفوق على الشبان في ألعاب الفروسية إلى محمد عبده الذي يريد الصفاء الروحي والتعلم ليستطيع فهم القرآن وإعداد نفسه ليهتدي ثم يهدي.

فإلى الجامع الأحمدي إرضاء لوالدي وإرضاء لنفسي فقد اتفقت الإرادتان.

وبدأ يدرس النحو فإذا هو يفهم لأن العقدة النفسية قد زالت، ولأنه بدأ يقرأ الكتاب الثاني في النحو وهو شرح الشيخ خالد على الأجرومية، وسوء الوضع جعل الكتاب الثاني أسهل من الأول، ولعله قد رزق بشيخ خير من الأول استطاع أن يوضح له ما غمض ويبين ما أبهم.

وإذا بالشيخ محمد عبده يلتف حوله بعض زملائه ليشرح لهم الدرس قبل بدء الأستاذ، فتعود إليه ثقته بنفسه ويسير على الدرب.

كانت هذه الأيام السبعة أيام حضانة تكون فيها كل ما اتجه إليه بعد من إصلاح. فاهتمامه بعد بتفسير القرآن، وجعله أساسا لدعوته الإصلاحية، وتنقيته للعقيدة الإسلامية مما أصابها من دخيل، وتلون حياته بلون صوفي راق، وزهادته في المال، وغيرته الشديدة على إصلاح المسملين، كلها غرست في هذه الأيام السبعة، ثم نمت وازدهرت وتعدلت وفقا للظروف والأحوال . •••

تحول محمد عبده من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر لأن الأزهر هو المثل الأعلى للتعليم في المعاهد الدينية.

والتعليم في الأزهر إذ ذاك - وكما رأيناه إلى عهد قريب - يلقي عبء الطالب كله على نفسه من غير أن يحمل أحد أي عبء عنه، فما عليه إلا أن يسجل اسمه في دفاتر الأزهر ثم يفعل ما يشاء، إلى أن يتقدم لامتحان العالمية، فهو الذي يختار مدرسه ويختار علومه ويحضر أو لا يحضر، ويجد أو يلعب، ويفهم أو لا يفهم، كل هذا متروك إلى نفسه، وهو أسلوب يفيد الخاصة ويضر العامة.

يأتي الطالب من بلده فيسكن في غرفة في حي الأزهر، وقد يشركه في الغرفة طالب أو أكثر، وفي الغرفة كل أدواته وأدواتهم، حصير مفروش على الأرض وصندوق فيه بعض الملابس وبعض الزاد، ومرتبة ولحاف يفرشهما ليلا ويطويهما صبحا و«حلة» يطبخ فيها بنفسه من حين لآخر في نفس الغرفة - وقد حدث محمد عبده عن نفسه أنه غضب على كتاب فطبخ به عدسا - ومن حين لآخر يأتيه الزاد من البلد، بعض الخبز وبعض الجبن وشيء من السمن، فإن كان أهله في شيء من الثروة فشيء من الفطير وشيء من الدجاج المذبوح، وهذه هي دنياه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٢٧