بسم الله الرحمن الرحيم: الباب حرف جر واسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أؤلف، وأؤلف فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، هذا إن جعلت الباء أصلية، وإن جعلتها زائدة فلا تحتاج إلى متعلق به وتقول في الإعراب حينئذ: الباء حرف جر زائد، واسم مبتدأ مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والخبر محذوف تقديره اسم الله مبدوء به. إلخ.
باسم الله ما شاء الله! هذا أول درس لمن لم يعرف في النحو شيئا، فلو أن متكلما تكلم بالسريانية لكان أهون، وكيف يستسيغ هذا وهو لم يسمع قبل إعرابا ولا رفعا ولا نصبا ولا جرا ولم يفهم لها معنى. ومثل هذا مثل كنا نتضاحك عليه وكان أعجوبة الأعاجيب، وهو أن مدرسا في مسجد سيدنا الحسين كان يعظ النساء اسمه الشيخ يوسف، وكان يجلس ويتحلق حوله عوام النساء للتبرك فيقرأ عليهن حديثا من الأحاديث النبوية ويأخذ في شرحه، ولكنه ينسى أنه يدرس لنساء أميات جاهلات، أو لا يستطيع ذوقه أن يدرك مقتضى الحال وما يصح أن يقال وما لا يقال، فيتساءل في أثناء شرحه: «لم حذف المسند إليه»، فيكون الكلام كتلاوة اللاتينية في الكنائس لمن لم يعرف كلمة لاتينية، أو خطبة الجمعة بالعربية على أتراك لم يعرفوا شيئا من العربية.
كذلك كان تعليم النحو في الأزهر والجامع الأحمدي للمبتدئين. فلو لطمت البيداجوجيا لطمة مميتة لم تجد شرا من هذه اللطمة، ورحم الله الشيخ الكفراوي، فلو علم ماذا يجني على المتعلمين كتابه ما خط منه حرفا.
كانت سن «محمد عبده» إذ ذاك خمس عشرة سنة، واستمر على هذا عاما ونصف عام يحاول أن يفهم فلا يفهم، وكيف يفهم الوضع المقلوب على أنه وضع صحيح؟ الجمهرة العظمى من المتعلمين على هذا النحو يملون ويسأمون وينقطعون عن الدراسة، وبعضهم كانوا يختانون أنفسهم فيزعمون فيما لا يفهمون أنهم يفهمون وتجلت في صاحبنا سجاياه الثلاث في هذا الموقف، فهو ذكي إذ فرق بين ما يفهم وما لا يفهم، وهو معتد بنفسه إذ ثار على الاستمرار على هذه الحال، وأبى أن يرضى بهذا الهوان، واختزن هذا الدرس في نفسه فتجلى فيما بعد في حمله عبء إصلاح الأزهر والعطف على أهله.
عول أن يتجه إلى الزراعة فيكون فلاحا كسائر أهله، وصمم على ألا يتعلم، وصمم أبوه على أن يتعلم، واصطدمت الإرادتان، فلما أكرهه أبوه هرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه، وشاء القدر أن يلتقي بشيخ صوفي، هو الشيخ درويش خضر خال أبيه، فينقلب محمد عبده كأنه شخص آخر، حتى كأن عصا سحرية مسته، وهنا يتجلى فعل المصادفات في حياة العظماء، فلولا هرب محمد عبده إلى هذه البلدة وملاقاته لهذا الشيخ لكان محمد عبده المشهور هو محمد عبده المغمور الذي لا يعرفه أحد إلا بلده، ولكان شأنه شأن أي فلاح في أي بلدة لا يسجل اسمه إلا في دفتر المواليد ودفتر الوفيات.
وشخصية الشيخ درويش من الشخصيات اللطيفة التي تظهر في بعض الأوساط المصرية على قلة، وقد شاهدت منها في حياتي شخصين، هي شخصية متصوفة تمتاز بنور البصيرة أكثر مما تمتاز بسعة العلم، تعرف الدنيا وشئوونها وتزهد في قيمتها عن علم لا عن غباء، وخير عبادتها ذكر الله بالقلب لا باللسان ولا بالأوراد، تعمل في الدنيا كما يعمل أهلها ولكن في رفق وتسامح وميل إلى الخير، يرون الدنيا جسرا إلى الآخرة، فلا بد أن يعبر الجسر في أمان يألمون لغفلة الناس وطغيان المادة عليهم وتورطهم في المفاسد، ويشفقون عليهم ويعملون ما أمكنهم لإنقاذهم في هوادة، يشع النور في قلوبهم على وجوههم، فيكون منظرهم وتصرفهم وحركاتهم وسكناتهم منظرا جذابا يستدعي الحب والإعجاب.