قيل لبعض الولاة: كم صديقا لك؟ قال: «لا أدري! الدنيا مقبلة علي والناس كلهم أصدقائي وإنما أعرف ذلك إذا أدبرت عني». «لا يضيق سم الخياط بمتحابين، ولا تسع الدنيا متباغضين». الخليل بن أحمد. «تواضعك في شرفك أكبر من شرفك». ابن السماك لعيسى بن موسى. «من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب». «المرء يصنع نفسه، فمتى ما تبله ينزع إلى العرق». قالها حفص بن النعمان. «لو جمعت قريش من أقطارها ثم رمي به في وسطها لخرج من أي أعراضها شاء». هند تصف مهارة ابنها معاوية. «لن يفرس الليث الطلا وهو رابض (الطلا الأعناق)». «كل كريم طروب». معاوية وقد حرك رجله من سماع غناء، فسئل عن تحريك رجله فقالها. «قلة العيال أحد اليسارين». «أعظم المصائب انقطاع الرجاء». «إن أعظم ما أخاف الله فيه ما كنت أصنع لك». معاوية لابنه يزيد وهو يحتضر.
ونكتفي بهذا النموذج من الأدب العربي، فهو في هذا الباب مليء.
| زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: الشيخ محمد عبده
(1266-1323ه/1849-1905م)
يعتمد نبوغ النابغ على عنصرين أساسيين: استعداده الفطري، أو بعبارة أخرى طبائعه الموروثة، وبيئته التي عاش فيها، كالشجرة الطيبة إنما تنبت نباتا حسنا إذا حسنت بذرتها، ووجدت من التربة والهواء والماء ما يصلح لها، فإن كانت البذرة سيئة فلا أمل في شجرة ممتازة، وكذلك إن حسنت البذرة وساء الغذاء.
وقوانين الوراثة في الإنسان في منتهى التعقد: ماذا يرث من أبيه؟ وماذا يرث من أمه؟ وماذا يرث من آبائه الأقربين؟ وماذا يرث من آبائه الأبعدين؟ كل هذا لا يزال غامضا مع عناية علماء الوراثة بالبحث والتقصي.
على كل حال ورث «محمد عبده» صفات نشأ عليها، وساعدت بيئته على نموها، أهمها ثلاث: الذكاء، والثقة بالنفس والاعتداد بها، ويتبع ذلك حب التفوق والعطف.
من أين نبعت هذه الصفات؟ من تركمانية أبيه كما يقال، أو من عربية والدته إذ يقال إنها من بني عدي. ولكن ما هذا ولا ذاك بكاف، ففي كل من التركمان والعرب الذكي والغبي والعزيز والذليل. ولا نستطيع أن نتثبت من موضع الوراثة حتى تكون على علم بآبائه وأمهاته فردا فردا، وأنى لنا هذا؟ فليس لنا إذن إلا أن نقول إنه هكذا خلق.
ثم كم من الفلاحين الفقراء في الحقول، وصغار الصناع في المصانع، من ورث من الصفات ما ورث الشيخ محمد عبده بل خيرا مما ورث، ولكن لم تسعفهم البيئة وقضت عليهم، وعاشوا وماتوا لم يشعر بهم أحد. ولو وجدوا من الظروف ما وجد الشيخ محمد عبده وأمثاله لظهر نبوغهم وعلا اسمهم وآمن الناس بتفوقهم، والناس كالكنوز المدفونة، أحيانا يقضى عليها بالدفن الأبدي، وأحيانا يعثر عليها فتكون مصدر ثراء. وفي عصر الشيخ محمد عبده إلى عصرنا لم تسعفنا نظم التربية وحالة البلاد الاجتماعية لنستكشف الأحجار الكريمة، بل هي في أغلب الأحيان نعمل على دفنها في الرمال.
لا تعجبن من هالك كيف توى
بل فاعجبن من سالم كيف نجا
هذا هو محمد عبده ينشأ في قرية من قرى الريف كما ينشأ ابن كل فلاح في ذلك العصر، فإذا كان لأبيه بعض اليسر وبعض الوجاهة وبعض الدين علم ابنه في الكتاب، ثم بعث به إلى الأزهر أو إلى معهد ديني، وكذلك فعل أبوه فأرسله إلى الجامع الأحمدي بطنطا لقربه من بلده، وليجود القرآن بعد أن حفظه ثم ليتعلم العلم، فأما تجويد القرآن فأمر ميسور، يسمع ما تيسر فيأخذه الشيخ بضبط مخارج الحروف ومقاييس لمد والغنة والإدغام وما إلى ذلك. وأما العلوم التي يدرسها فطرقها في منتهى العقم على المبتدئ أن يقرأ على شيخ كتابا في الفقه وكتابا في النحو، وأمر الفقه محتمل، فهو يبدأ يعلمه في دقة كيف يتوضأ وكيف يصلي، وهو أمور مارسها في حياته العملية، فمن السهل التدقيق فيها ما دام الأساس معروفا. أما النحو فهو الطامة الكبرى، فهو لا يعلم كما نعلمه نحن اليوم، فنبدأ بأن الكلمة اسم وفعل وحرف، ونأخذ في مميزات كل منها، إنما كان يعلم كما في كتاب «الكفراوي على الأجرومية» وأول درس فيه: