خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبى
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا •••
وخرجت مبكرا والناس نيام، أمشي على الشاطئ، وأرقب الشمس في طلوعها؛ والشمس على الساحل أجمل من الشمس على غيره، فليس لها تلك القوة العاتية، ولا الحرارة القاسية، ولا الأضواء المعشية؛ فيها شيء من الوداعة واللطف والحنان!
ها هي ذي قد طلعت، فأخذت الحياة تدب في النفوس، تلقي أشعتها على البحر فينعقد منه سحاب فمطر فأنهار، فجميع ما لذلك من أعمال باهرة، وقوى ساحرة، وأفعال عجيبة؟ أنظر يمينا فأرى النيل، وأنظر يسارا فأرى البحر وقد عاد النيل إلى البحر بعد أن أتم دورته، وأدى مهمته؛ قد خرج هذا العذب الفرات من هذا الملح الأجاج، كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم. قد سلسلوا النيل فعدا عليه البحر فاغتصب مجراه، وأملح ماءه، ثم فكوا قيوده فاسترد حقوقه، وأراد أن ينتقم من أبيه، فحاول أن يحتل شاطئه، ويحلي ماءه، ويعكر صفاءه، ثم ندم على العقوق فتاب وأنام، وإذا هما مؤتلفان، بينهما برزخ لا يبغيان.
ثم تسطع الشمس، وودت أن تكون مذكرة في اللغة العربية، كما هي مذكرة فيما أعرف في اللغة الأوربية؛ لأنها تتزوج الأرض فتولدها ما شئت من أشكال وألوان وذكور وإناث، وكأن أشعة الشمس خمر معتقة تشربها الأرض فتنتشي وتبتهج، وتمتلىء قوة ونشاطا وحركة.
وتقع أشعتها على الطير فيسرح ويمرح ويتغنى، وتحل في قلب الإنسان فيهدأ روعه، ويذهب فزعه ويطمئن إلى حياته، وتتحرك إرادته، وتنتعش آماله.
دعني أتعر، فالعراء على الساحل مباح، فأملأ جسمي بأشعتها، وأملأ شعوري ودمي بقوتها، وأملأ نفسي بعظمتها وسحرها.
ومشيت إلى قلعة في رأس البر كنت آنس بها قديما، وكان في كل حجر من أحجارها صفحة من العزة القومية، والحمية الوطنية؛ أقامتها الأمة يوم كانت تشعر بنفسها، وتدافع بنفسها عن كيانها، وتحس بتبعاتها، وتدبر شئونها، وتدير أموالها كما يتراءى لها - فرأيتها وقد عدا عليها الزمان، وعلاها البلى ونقض أحجارها، وليس من يعتز بها فيقيم أنقاضها؛ ورأيت بها «مدفعا» قد هزأ به الرمل فغطاه، وسخر به الصدأ فعلاه. دفن كما يدفن عزيز أرداه الزمان بسهامه، وذل كما يذل السيد الكريم توالى عليه الدهر بأحداثه! ورأيتهم أقاموا في وسطها صهريجا يخزن الماء لرأس البر، فقلت: سبحانك ربي، جعلت من مستودع النار ماء، كما جعلت من الشجر نارا! لقد كان مكانك رمز القوة فأصبح رمز الرقة، وكان بك جن يقذفون بالنار فبدلت بهم ملائكة يوزعون الرحمة، وكان بك دم يغلي، فأحاله الزمان القاهر زلالا باردا، وما أدري ماذا جاش بنفسي فدمعت عيني!
وقالوا قد جننت فقلت كلا
وربي ما جننت وما انتشيت
ولكني ظلمت فكدت أبكي
من الظلم المبين أو بكيت
فإن الماء ماء أبي وجدي
وبئري ذو حفرت وذو طويت
ثم صحوت فقلت: أتندب كل طلل مررت به، وتبكي كل شيء رأيته، وتحزن في معاهد الفرح، وتنقبض في مغاني المرح؟ من أجل هذا تمنيت - قبل - أن أخلع نفسي، ووالله لو أمكنتني الفرصة ثانية ما ترددت، ولسمحت وما حرصت، فقد برمت بها وعجزت عن حملها.
هيا إلى البحر! فهناك الفرح والمرح، وهناك يضحك الناس له ويضحك لهم، ويداعبون أمواجه وتداعبهم، وأحيانا ينسون جلاله فيصفعهم! فيه الحياة، وفيه القوة، وفيه العظمة، وفيه أكبر مظهر لطاحون العالم، تطحن دائما، وتطحن ناعما!
| بين الصحف والكتب
هنالك حرب عوان بين الصحف والمجلات من ناحية، والكتب من ناحية أخرى. وهذه الحرب لا نراها ولا نشعر بها؛ لأنه ليس لها صليل السيوف ولا دوي القنابل، ولكنها مع صمتها شديدة قوية، يراها المفكر ويرتاع لمنظرها، ويعجب من هجومها ودفاعها؛ هي أشبه ما تكون بالحروب الاقتصادية، كالحرب بين السلع اليابانية والسلع الأوربية، وكالحرب بين الثقافة الإنجليزية والثقافة الفرنسية، تغيب عنك في كثير من الأحيان وسائلها، ولكن تبدو - في وضوح تام - نتائجها.