تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هو واسع الإطلاع على دخائل قصور الخلفاء بما شاهد وصادق من الطبقة الراقية، وما سمع من أبيه وأصدقاء أبيه مما كان يجري في القصور من دخائل، وقد أشار إلى ذلك كثيرا. ولكنه كان في روايته لهذه الأحداث مع الأسف متحفظا سياسة وديانة، وأحيانا يقول فيما يروي: «حدثني الوزير أبي رحمه الله». ويقول: «رأيت هشاما المؤيد، ومحمدا المهدي، وعبد الرحمن المرتضي وأولادهم وإخوتهم ودخلت عليهم، وجالست عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان ابن أمير المؤمنين الناصر». فهذا كله مكنه من معرفة واسعة بهذه الطبقة، فيخبرنا عن رحلات لبعض الأمراء كانت بسبب حوادث عشق، وأن بعضهم ذهب عقله بسبب الحب، فإذا وصل من ذلك إلى حادث دقيق كنى وستر ولم يستجز التصريح وقال: «اغتفر لي الكناية عن الأسماء، فهي إما عورة لا نستجيز كشفها، وإما أن نرعى في ذلك صديقا ودودا أو رجلا جليلا، وبحسبي أن أسمي من لا ضرر في تسميته، ولا يلحقني والمسمى عيب في ذكره، إما لاشتهار لا يغني عنه الطي، وإما لرضى من المحتقر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لفعله».

وفي الكتاب نواح أخرى قيمة نكتفي منها بهذا القدر.

| أخلاق السادة

من الأخلاق التي لفتت أنظار العرب فأكثروا فيها كلامهم وصاغوا منها أدبهم «خلق السيادة» وهو معنى غامض، صعب التعريف والتحديد ، يختلف كثيرا باختلاف البيئة، وباختلاف الحياة الاجتماعية، وباختلاف الصبغة التي تغلب على الشخص والجماعة من حب للمجد، وزهد فيه، ونحو ذلك.

فإذا نحن استعرضنا أركان السيادة في الأدب الجاهلي وجدناها الكرم والشجاعة، فيقول عامر بن الطفيل:

إني وإن كنت ابن سيد عامر

وفارسها المشهور في كل موكب

فما سودتني عامر عن وراثة

أبى الله أن أسمو بأم ولا أب

ولكنني أحمي حماها وأتقي

أذاها وأرمي من رماها بمنكب

وخلاصة رأيه في السودد أنه يذود عن قبيلته ويحميها أن ينالها شر ويبذل نفسه في الدفاع عنها، فليست السيادة في نظره مجرد الشجاعة، ولكنها الشجاعة في سبيل القبيلة.

وقالت ابنة حاتم الطائي تصف أباها: «إن أبي سيد قومه، كان يفك العاني ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ولم يطلب إليه أحد حاجة فرده» فجعلت سيادته في الشجاعة والكرم.

ونقرأ المفاخرات بين السادة في الجاهلية فنراها يدور أكثرها حول المباهاة بالكرم والشجاعة.

وظلت هاتان الصفتان هما دعامتي السيادة في الإسلام وإن لونها بعضهم ببعض. الألوان الأخرى التكميلية، فيروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: «السيد: الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البار بمن يعاشر»، وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: «ببذل القرى، وترك المرا، ونصرة المولى» فأضيف إلى الكرم والشجاعة ترك المراء، وبعبارة أخرى الترفع عن الصغائر.

وعد في العصر الأموي من أسود الناس الأحنف بن قيس وسلم بن قتيبة ومحمد ابن القاسم؛ فأما الأحنف فأساس سيادته الشجاعة والكرم والحلم، وقد رشحه زياد بن أبيه ليتولى ثغر الهند فلم يرض معاوية بذلك، وحفظ عليه عدم انضمامه إلى جيش عائشة، ومناصرته لعلي بن أبي طالب، فقال فيه زياد: «إن الأحنف بلغ من الشرف والسودد ما لا تنفعه الولاية ولا يضره العزل».

وعد من أهم أسباب سيادة سلم بن قتيبة جرأته وشجاعته، فقال بعضهم: «كنا نعرف سلم بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين» أي خمسين أسيرا.

ومحمد بن القاسم فتح السند والهند وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة فقال فيه الشاعر:

إن السماحة والمروءة والندى

لمحمد بن القاسم بن محمد

قاد الجيوش لسبع عشرة حجة

يا قرب ذلك سوددا من مولد!

وأحيانا كانوا يلحظون في «السيد» لين الجانب وسعة صدره للناس في أن يعيبوه وينقدوه. قال رجل من العرب: «نحن لا نسود إلا من يوطئنا رحله (يريد يخدمنا في حوائجنا) ويفرشنا عرضه (يريد أنه لا يضيق بنقدنا له وعيبنا عليه) ويملكنا ما له» وكما قال المقنع الكندي:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨١٩