تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان لهذا كله أثر كبير في الحياة الاجتماعية والأدبية، فلعبت عواطف الحب دورا هاما، ونطق الشعراء بمشاعرهم، وعبروا عنها تعبيرات دقيقة، حتى إن ابن حزم نظم شعره في كل حالة يصفها ويشعر بها من نفسه أو من غيره، وابن شهيد يهديه ابن أبي عامر ثلاث فتيات من أجمل الفتيات فيقول فيهن شعره، فكثر القول في الغزل والحب، وماجت الحياة الأدبية بذلك كله، وخلقت معان جديدة وأفكار ومشاعر لم تكن من قبل، تصاغ صياغة أدبية يدل عليها شعر «طوق الحمامة»، وتعلم الإماء فنون الغناء والأدب كما كان الحال في الشرق؛ فهذه أمة ابن حزم تغني بشعر العباس بن الأحنف، كما أتقن الأسبان استخدامهن جواسيس على المسلمين يبلغنهم أدق أمورهم، فكان ذلك من أسوأ الوسائل لهزيمة المسلمين.

ووجدت النساء الخبيرات بالعشق وأفانينه، فلما تقدمن في السن كن مرجع ابن حزم وأمثاله في حكاية تجاربهن وقصصهن. ويخبرنا ابن حزم أنه أصغى إليهن وروى عنهن بعض ما كتب.

ثم استتبع هذا كثرة المولدات من الأجناس المختلفة، وصهر ذلك كله في بوتقة الطبيعة لتخرج منه جمالا صافيا يثير الأدباء والفنانين. وكان ابن حزم رقيق الحس ذكي الفؤاد دقيق العقل، يحسن النظر في الأحوال الاجتماعية ويستنتج منها نتائج قيمة، كما تشهد بذلك كلماته في الأخلاق، فلما استخدم ذلك في العشق صوره وصور أهل زمانه وفنونهم في الغرام تصويرا دقيقا؛ نظما ونثرا.

وكان من نتائج هذا كله فساد الأسر، لكثرة الأحرار والرقيق في البيت الواحد، ووجود الأبناء المختلفي الأمهات؛ فهذا أمه بربرية وهذا أسبانية وهذا صقلبية، والغيرة شائعة في جميع الأمهات في الأسرة الواحدة، وهن يرضعن هذه الغيرة لأبنائهن فيكون ذلك مثارا لعداوة الأقرباء وكثرة الفتن والثورات وانفصام العرى في البيت وفي البلدة وفي المملكة، وهذا ما كان في عصر ابن حزم وما بعده.

وقد كان الظن أن تكون كثرة الجواري في البيوت والأسواق مانعا من الفجور والشذوذ، فالنفوس في مثل هذا النظام سهلة الارتواء. ولكن كان الأمر بالعكس في الشرق والغرب، في العراق والأندلس.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فيحدثنا ابن حزم عن الرمادي الشاعر أنه كان مجتازا باب العطارين بقرطبة فرأى جارية أخذت بجامع قلبه فجعل يتبعها، وكلما سارت في ناحية سار وراءها، ونهته فلم ينته، فسألها: أحرة هي أم مملوكة؟ فقالت: مملوكة. وما زال يضايقها حتى تخلصت منه بأن وعدته وعدا أخلفت فيه. وكذلك تروى القصص المختلفة من هذا القبيل.

بل يحدثنا ابن حزم بما هو أشنع من ذلك وهو تفريط الرجل في عرض زوجته، فيقول: «لقد كنت أعرف رجلا مستورا إلى أن استهواه الشيطان» فأحب غلاما واستباح في هذا عرضه، فيقول ابن حزم:

أباح أبو مروان حر نسائه

ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد

إلخ ...

ويذكر أنه كان في مجلس عند بعض المياسير فرأى بين بعض من حضر ومن كان بالمجلس أمرا أنكره، وغمزا استبشعه، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب البيت كالغائب أو النائم، فنبهه ابن حزم بالتعريض فلم ينتبه، وحركه بالتصريح فلم يتحرك. وقال ابن حزم في ذلك شعرا، وعزم ألا يعود إلى هذا المجلس إلخ. •••

ثم صورة أخرى اجتماعية يدل عليها الكتاب وهي تفكك الدولة بعد ابن أبي عامر، فقد حجر على الخليفة هشام وأسقط حرمة الخلافة من نفوس الناس، فلما أراد أحد أحفاد ابن أبي عامر تحويل الخلافة إليه ثار الناس واضطرب أمرهم، وكانوا كعقد انفرط، فلا الخلافة موقرة ولا من حلوا محل الخلفاء يستطيعون ضبط الأمور، وكان ابن أبي عامر قد قتل كل رأس صالح للقيادة، فكان هذا بدء تضعضع الدولة وانحلال البلاد وتغلب الأسبان عليها بلدا بعد بلد؛ تلمح هذا في شكوى ابن حزم مما أصابه هو وأهل بيته وأصدقاءه من اضطهاد ومصادرة أموال وتشريد؛ لأنهم كانوا من أتباع الدولة العامرية، فلا أمن في النفوس ولا الأموال، ويحكي أنه ألف كتابه «طوق الحمامة» والنفس مضطربة، والبلاد هائجة، والناس مشردون، والأيام متبدلة، والأموال مصادرة، والأحوال قلقة إلخ. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨١٨