ثم له في هذا الكتاب (طوق الحمامة) تحليلات نفسية لطيفة في مواقف مختلفة؛ فهو يستعرض علامات الحب استعراض المجرب الخبير، ويعلل مثلا اللذة بالمراسلة بحلولها بعض الشيء محل الرؤية «ولهذا نرى العاشق يضع الكتاب على عينيه وقلبه ويعانقه، وأعرف من كان يسقي الحبر بالدمع، ويقارضه محبوبه فيسقي الحبر بالريق».
ويصف الحالة النفسية عند الوصل فيقول: «والوصل حظ رفيع وسعد طالع، بل هو الحياة المجددة والعيش السني، ولولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر لقلنا: إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة معه ... ولقد جربت اللذات على تصرفها وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ما للوصل، لا سيما بعد طول الامتناع وحلول الهجر».
والناس أصناف في الوصل؛ فمنهم من يرى أن داوم الوصل يودي بالحب، وأما هو فيحدث عن نفسه «إني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ» ثم يقول: إن الهجر أنواع: هجر يوجبه التحفظ من الرقيب، فحينئذ ترى الحبيب منحرفا عن محبه مقبلا بالحديث على غيره، معرضا لمن يحب، فتراه حينئذ منحرفا كمقبل وساكتا كناطق، ومحبه أيضا كذلك، وهذا الهجر أحلى من الوصل - وهجر يوجبه التذلل، ولا يكون إلا عن ثقة كل بصاحبه، فيظهر المحبوب هجرانا ليرى صبر محبه، وهجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا فيه بعض الشدة، لكن فرحة الرجعة، وسرور الرضى، يعدل ما مضى، ثم هجر يوجبه الوشاة، ثم هجر الملل إلخ.
وهكذا يسير في تحليله لكل ما يعرض له من الوفاء والغدر والضنى والسلو والتعفف وعدمه إلخ. •••
وإذا كان ابن داود يستشهد على كل باب بما ورد فيه من شعر الأقدمين والمحدثين، وأحيانا بشعره هو؛ فقد سار ابن حزم على نهج آخر، وهو أنه ينشئ هو الشعر في كل حالة من حالات النفس التي يشرحها، ولا ينقل عن غيره إلا نادرا، وشعره في الجملة وسط، لا رائع ولا ردئ فيقول:
جرى الحب مني مجرى النفس
وأعطيت عيني عنان الفرس
ولي سيد لم يزل نافرا
وربما جاد لي في الخلس
وكان فؤادي كنبت هشيم
يبيس رمى فيه رام قبس
ويقول فيما عرض له من النكبات والتجوال في الآفاق:
ولى فولى جميل الصبر يتبعه
وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه
جسم ملول وقلب آلف فإذا
حل الفراق عليه فهو موجعه
لم تستقر به دار ولا وطن
ولا تدفأ منه قط مضجعه
كأنما صيغ من رهو السحاب فما
تزال ريح إلى الآفاق تدفعه
أو كوكب قاطع في الأفق منتقل
فالسير يغربه حينا ويطلعه
ويقول:
هل لقتيل الحب من وادي
أم هل لعاني الحب من فادي
أم هل لدهري عودة نحوها
كمثل يوم مر في الوادي
ظللت فيه سابحا صاديا
يا عجبا للسائح الصادي
ضنيت يا مولاي وجدا فما
تبصرني ألحاظ عوادي
كيف اهتدى الوجد إلى غائب
عن أعين الحاضر والبادي
مل مداواتي طبيبي فقد
يرحمني للسقم حسادي
إلخ إلخ.
وفي كتاب «طوق الحمامة» ناحية أخرى، وهي دلالته على الحالة الاجتماعية الأخلاقية في الأندلس في عصر ابن حزم كما يصورها الكتاب. •••
فالجواري الرقيقات ملأت البيوت، وكان للمنصور بن أبي عامر أثر كبير في التوسع في هذا لكثرة ما غزا وكثرة ما سبى، فغزواته التي زادت على الخمسين كانت كلها موفقة، وكان من أثر التوفيق كثرة الأسرى من الرجال والنساء، حتى قال بعض الناس فيه يوم مات «مات الجلاب» يريد جلاب الأسرى والسبايا. والسبايا توزع على الأسر من طريق الهبة أو من طريق البيع في الأسواق، وكان هذا النظام متبعا عند المسلمين والأسبان على السواء.
فنتج من هذا كله امتلاء البيوت، وخاصة بيوت الطبقة الوسطى والعليا بالإماء، وكان بيت ابن حزم مملوءا بهذا النوع كما يحدثنا، إذ كان أبوه وزيرا للمنصور بن أبي عامر، وكانت المملوكات توزع على أفراد الأسرة، فكان ابن حزم نفسه يملك بعض الجواري ويعشق غيرهن.