يحدثنا عن نفسه كثيرا، فهو في مزاجه متئد رزين، فإن كان بعض الناس يحب من نظرة واحدة فهو يقول: «لا أحب إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهرا، وأخذي معه في كل جد وهزل»، وهو كذلك متئد في سلوه وتوقه «فما نسيت ودا لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ليغصني بالماء ويشرقني بالطعام»، وهو مع اتئاده «عميق» «فما فارقني الإطراق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع وهم ما ينفك يطرقني.. وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا».
وللناس أذواق في حبهم وعشقهم ليست خاضعة لشروط الجمال، وربما كان ذلك راجعا لأول عهدهم بالحب فيلازمهم «فإني أعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا، وأعرف أيضا من هوى جارية في فمها فوه لطيف، فكان يتقذر كل فم صغير ويذمه، ويكرهه الكراهية الصحيحة، وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد ذلك في أصل تركيبي من ذلك الوقت ... وهذا العارض عرض لأبي، وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله، وأما جماعة خلفاء بني مروان ولا سيما ولد الناصر منهم فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم ... فما منهم إلا أشقر نزاعا إلى أمهاتهم»
1 .
ويصف هيبة المحبوب فيقول: «ولقد وطئت بساط الخلفاء، وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه، ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء، وتحكم الوزراء، وانبساط مدبري الدول، فما رأيت أعظم سرورا بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده، ووثق بميله إليه، وصحة مودته له؛ وحضرت مقام المعتذرين بين أيدي السلاطين، ومواقف المتهمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين، فما رأيت أذل من موقف محب هيمان، بين يدي محبوب غضبان، قد غلبه السخط وغلبه عليه الجفاء، وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وأنفذ من السيف، لا أجيب إلا الدنية، ولا أساعد على الخضوع، وفي الثانية أذل من الرداء وألين من القطن، أبادر إلى أقصى غايات التذلل لو نفع، وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع، وأتحلل بلساني، وأغوص على دقائق المعاني ببياني، وأفتن القول فنونا، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي».
ويحكي فعل البين والفراق به، وعمق أثرهما في نفسه فيقول: «كنت أشد الناس كلفا وأعظمهم حبا بجارية لي كانت - فيما خلا - اسمها «نعم» وكانت أمنية المتمني، وغاية الحسن، خلقا وخلقا وموافقة لي ... وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن. فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة، على جمود عيني وقلة إسعادها - وعلى ذلك فو الله ما سلوتها حتى الآن، ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا، وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها».
وقص علينا مأساة له ولأسرته ولمن أحب فقال: إنه أحب جارية نشأت في داره، وكان إذ ذاك في سن الصبا، وكانت سنها ستة عشر عاما، وهي غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها، تزدان بالمنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، وكانت تحسن الضرب على العود إحسانا جيدا، فأحبها حبا مفرطا، وسعى عامين في أن تجيبه بكلمة فلم ينجح، وحدث في أيام عزه وجاه أبيه أن كان في بيتهم حفلة كبيرة من مثل التي تقام في دور الرؤساء تجمعت فيها الأقارب من رجال ونساء، وكان الزائرون يتنقلون من غرفة مشرفة على بستان الدار وعلى جميع قرطبة إلى أخرى، وابن حزم يتبعها في الغرفة التي تنتقل إليها فتهرب منه، ثم نزل النساء إلى البستان، وأخذت الفتاة تضرب على العود، وتغني بأبيات للعباس بن الأحنف: