أما الإمام ابن حزم فله شأن آخر، لئن اتفق هو وابن داود في إمامته وفقهه وعشقه فقد اختلف عنه في أشياء كثيرة:
فإن كان ابن داود نشأ في بيت زهد وفقر، فقد نشأ ابن حزم في بيت عز وجاه وغنى وثروة، فكان أبوه - أبو عمر أحمد - وزيرا خطيرا من وزراء المنصور ابن أبي عامر، وناهيك بالمنصور عظمة وقوة، وجبروتا وأبهة، وضخامة ملك، فكان وزراؤه صورة مصغرة منه.
لقد ولي الخلافة بالأندلس هشام بن الحكم وهو صبي، فاستبد المنصور بالملك، ونكل بكل رأس قوي، وأخضع كل شيء في الدولة لإرادته، وحذا حذو المشرق في الحجر على الخليفة، وترك الخليفة يلهو ويلعب في قصره، ولا يرونه. وأحيط بكل صنوف اللهو وبكل مخرف دجال؛ فعنده ثمانية حمير كلها من نسل حمار العزيز، وعنده أخشاب كثيرة من خشب سفينة نوح، وثلاث من نسل غنم شعيب، وحوله المشعوذون من ذوي اللحية الحمراء، ومن تسمى بياسين واليسع، ونحو ذلك من غرائب الأسماء. أما الملك والسلطان وإدارة ما قل من الشئون وجل ففي يد المنصور بن أبي عامر، وكان المنصور هذا - إلى قسوته وجبروته وتنكيله بخصومه - عادلا في الرعية حذرا يقظا لكل كبيرة وصغيرة، وكريما، قد حفل مجلسه بالعلماء والأدباء كصاعد بن الحسن البغدادي وابن شهيد وأمثالها - وقد أعاد للدولة هيبتها عند نصارى الأسبان، فأعاد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، وغزا ستا وخمسين غزوة لم تنتكس له فيها راية ولا فل له جيش، ووطئت أرجل جيشه بلادا وأرضا لم تطأها أقدام المسلمين من قبل، وكان طبيعيا أن تكثر السبايا من النساء الإسبانيات، فكانت توزع على الجيش الظافر، وتختار الصفايا للمنصور بن أبي عامر، وهو يهدي منها وزراءه ورجاله، فيهدي إلى ابن شهيد الأديب الشاعر - مرة - ثلاث فتيات من أجمل الفتيات، وقد امتلأت بيوت الأندلسيين بالرقيق من الإسبانيات والبربريات والصقلييات وغيرهن، كما امتلأت بيوت المشرق بالفارسيات والروميات وأمثالهن.
وكن حلا لمن ملكهن، وبولغ في تعليمهن الغناء والأدب، فكان منهن في بيوت النبلاء المغنيات المتفننات والأديبات البارعات، كما كان شأن أمثالهن في العراق.
لهذا كان البيت الذي نشأ فيه ابن حزم بيتا غنيا، فيه الخدم والحشم، والفتيات الجميلات من السبايا توزع على أفراد الأسرة فيكن ملك أيمانهم، وكان لأبيه البيوت الكثيرة للمشتى والمصيف تزخر بضروب الترف والنعيم؛ ومع هذا كله تثقف ابن حزم من صغره ثقافة واسعة صادفت استعدادا جيدا، حتى كان منه عالم الأندلس، وأوسع علمائها معرفة بالدين وأصوله، ومذاهب الفرق الدينية والحديث والتاريخ واللغة والأنساب، إلى الأدب والشعر، وهو يؤلف في كل ذلك، ويخلف من تآليفه نحو أربع مئة مجلد، وهو في تأليفه مجتهد لا مقلد، لا يتحرج من أن ينقد أكبر إمام ويخالفه ويقيم الحجة عليه - وقد شاهد زوال دولة بني عامر، والنكبة التي نكبت بها هي وأتباعها، وقد روع هو وأهله بهذه النكبة فأصيبوا في أنفسهم وأموالهم، فصبر على ذلك متجلدا ثابتا، يرى السلوة عن ذلك كله بما وفقه الله إليه من علم ودين.
ومن ألطف ما خلف لنا كتاب في العشق سماه «طوق الحمامة» ليس ككتاب «الزهرة» في منحاه ولا في عرضه - لقد كان ابن حزم أعمق معرفة بالنفس الإنسانية، يدل عليه خطراته اللطيفة في كلماته في «الأخلاق» وهو كثير التجربة دقيق التحليل النفسي، وقع في العشق وجربه من صباه كذلك، ورأى من أصناف الفتيات والنساء ما لا يعد، وسمع من أحاديث النساء والرجال في الحب ما لا يحصى، وقرأ من أخبار الخلفاء الأندلسيين وأتباعهم الشيء الكثير في الحب والعشق، فوعاه كله وسلط عليه تحليله وقال فيه شعره، وحكى ما سمع وما رأى، فكان من ذلك كله «طوق الحمامة» - لم يجمع ما قيل من الشعر في الغزل ويختر منها كما فعل ابن داود، فذلك كما يقول متوافر في الكتب؛ ولكنه أراد أن يبتكر فيصف حالات النفس في الحب ويقول في ذلك شعره هو، فباب ماهية الحب و«من أحب من نظرة واحدة» و«من أحب صفة لم يستحسن غيرها مما يخالفها» و«طي السر» و«الإذاعة» و«الوصل» و«الغدر» و«الضنى» و«السلو» إلخ. وهو يدعم نظرته في كل باب بالأحداث التي حدثت له ولغيره، فيطلعنا من ذلك كله على أشياء قيمة في وصف الحياة الاجتماعية في عصره في الأندلس، وهو فيما يذكر عن نفسه وغيره صريح لا يمجمج، وإذا رأى تسمية الأشخاص ضارة بهم لا يذكر أسماءهم ويكتفي بذكر ما جرى لهم.