إني طربت إلى شمس إذا غربت
كانت مغاربها جوف المقاصير
فكان ضرب عودها يتناغم مع ضربات قلبه.
ثم نكبت أسرة ابن حزم بذهاب دولة المنصور بن أبي عامر وامتحن أهله بالاعتقال والمراقبة والتغريم الفادح بالمال، ثم توفي والده وأجلي أهله عن منازلهم، وخرج ابن حزم عن قرطبة وتغيب ستة أعوام ثم عاد إلى قرطبة سنة 409 ونزل عند بعض أقاربه، فوجد هذه الجارية وقد تغيرت محاسنها حتى كاد لا يعرفها، وفنيت بهجتها وغاض ماؤها، لحرمانها من النعيم الذي كانت تعيش فيه، وعدم صيانتها التي كانت أيام جاه أبيه، وتبذلها في الخروج لقضاء ما لا بد منه، وإنما النساء رياحين متى لم تتعهد ذبلت، وحسنهن أقل من حسن الرجال احتمالا.
ويحدثنا أنه نزل مرة أخرى عند قريبة له في قرطبة فوجد عندها من أقاربها فتاة كانت قد تربت معه، فلم تتحجب عنه عند نزوله في الدار على جاري عادتهم، وكانت في غاية الحسن والملاحة والصباحة، فأقام في الدار ثلاثة أيام وكاد قلبه يصبو ويعاوده منسي الغزل، فامتنع من دخول تلك الدار خوفا على لبه أن يذهب به الاستحسان.
ولقد عجب من نفسه أن يكتب مثل هذا الكتاب في الحب وهو في أوقاته الحرجة، وهذا الموضوع إنما يحسنه خلي البال فارغ القلب، فأما هو فكما يقول: ذهنه متقلب، وباله مشغول، وقلبه محطم، مما هو فيه من نبو الدار، والبعد عن الأوطان، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه والفكر في صيانة الأهل والولد، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار «لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، والذي ترك أعظم من الذي أخذ، وكل عارية فراجعة إلى معيرها جعلنا الله من الصابرين».
شخصية كبيرة تلك التي تحتمل هذا الحب وضناه، وتحتمل هذه المحن كلها، من مصادرة مال، وتعذيب أهل، وغربة وطن، وذهاب جاه، ثم هو في هذا الجو الغائم القاتم يصفو ذهنه ويقبل على التأليف حتى في الحب، ويسمو بالعلم فوق السمو بالجاه، فيحفظ اسم ابن حزم المحب العالم ويموت اسم أبيه الوزير، ويعوضه الله عن ماله وجاهه الذي فقد علما وذكرا لا يفقد. ولئن كان ابن داود يذوب حبا ويتفانى عشقا، فيكون كالزهرة اللطيفة لا صبر لها على الأعاصير وأحداث الزمان، فابن حزم محب قوي، يضطرب للحب ولكن يستطيع أن يصبر له ويتغلب عليه كما يستطيع أن يصبر على نوائب الدهر وأحداث الزمان، فإن فقد الحبيب عاش بذكراه، وإن فقد جاه المال خلق جاه العلم، وإن فقد دنيا النعيم خلق لنفسه دنيا الفكر والبحث والتأليف، ووجد فيها أكبر لذة وأفضل نعيم. اجتمع عليه ضنى الحب ولذعة الذكرى واضطهاد الدولة وتألب كثير من علماء وقته عليه؛ لأنه هاجم أئمتهم في جرأة وصرامة، حتى لقد شبهوا لسانه بسيف الحجاج اجتمع عليه كل ذلك فلم يأبه له، ولم يفت في عضده، حتى مات سنة 456 عن نحو اثنين وسبعين عاما. وقد ذكر أن فيه خصلتين غلبتا عليه، وفاء لمن صادق أو أحب، وعزة نفس تؤثر الموت على الضيم.
لي خلتان أذاقاني الأسى جرعا
ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي
وفاء صدق فما فارقت ذا مقة
فزال حزني عليه آخر الأبد
وعزة لا يحل الضيم ساحتها
بذالة فيه بالأموال والولد
هذه ناحية من نواحي «طوق الحمامة» وهي دلالته على نفسية ابن حزم ومغامراته، وللكتاب نواح أخرى قيمة. •••
ما العشق وما سببه؟
سؤال محير، والسؤال «بما» في الماديات عسير، فكيف في المعنويات؟ فإذا أنت سألت: ما الجمال، ما الحرية، ما العدل، ما المثل الأعلى؟ أعياك الجواب المقنع. ويزيد الأمر صعوبة في العشق أن نظرات الناس إليه مختلفة اختلافا كبيرا، فيسفل بعضهم أحيانا حتى لا يرى في العشق إلا المتعة الوقتية، ويعلو بعضهم فيرى أنه فيض إلهي على القلب. ومن عهد اليونان إلى اليوم وتحديد العشق وسببه محاط بالغموض، فيروون عن أرسطو أنه عرفه بأنه «جهل عارض صادف قلبا فارغا»، ويروى عنه أنه عرفه مرة أخرى بأنه «عمى العاشق عن عيوب المعشوق». ومن هذا الباب قول ابن سينا إنه «وسواس يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور». وهذه كلها تعريفات وضيعة، ولما سئل الجنيد الصوفي عن العشق قال: «إنه ألفة رحمانية، أوجبها الله على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الألفة، وهي موجودة في الأنفس بقدر مراتبها عند أربابها». وسئلت أعرابية عنه فقالت: «جل والله عن أن يرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى».