لقد كان همه في هذا الكتاب أن يختار مما قيل في العشق من شعراء العصر الجاهلي إلى معاصريه من أمثال البحتري وابن الرومي، ثم قسمه قسمين، فقسم وهو الذي وصل إلينا - وزعه على خمسين حالة من أحوال العشق، عنون كل حالة بحكمة مسجوعة، مثل «من كثرت لحظاته دامت حسراته»، «من طال سروره قصرت شهوره»، «من كان ظريفا فليكن عفيفا»، «ما خلق الفراق إلا لتعذيب المشتاق»، «من وفى له الحبيب هان عليه الرقيب» وتحت كل عنوان من هذه العناوين يورد ما يناسبه من الشعر، وقد يقدم له بمقدمة نثرية في فلسفة الموضوع لم يكن أسلوبه فيها مشرقا إشراقه في الشعر، وفي كثير من الأحيان يذكر لنفسه شعرا في الباب، ولكنه لا يصرح بأن الشعر له، بل يقول: «قال بعض أهل هذا العصر، وقال بعض أهل هذا الزمان» - وإذ كان محدثا تأثر بالمحدثين في تبويب الأبواب وجعل الأحاديث المتصلة بموضوع واحد تحت عنوان واحد، ولكنه عبر عنها تعبير أديب لا تعبير محدث - وهو متأثر أيضا بالمحدثين في تنبيهه على اختلاف مذاهب الشعراء في الحب كاختلاف الفقهاء في الرأي؛ فمثلا يعقد بابا فيقول: «أشعار هذا الباب مضادة للأشعار التي قبلها؛ لأن في أشعار الباب الماضي تحريضا للمحب على إظهار محبوبه على ما له في نفسه، ولوما لمن كتم عن صاحبه ما يجده به وما يلقاه بسببه، وأشعار هذا الباب إنما هي تحريض على الكتمان وتحذير من الإعلان، والعلة في هذا إلخ».
وهو - إلى إطلاعه الواسع على شعر الشعراء - مطلع على ما نقل عن فلاسفة اليونان في العشق كبطليموس وجالينوس وأفلاطون حسبما ترجم منه في عصره.
ثم هو في اختياره رقيق الذوق جيد التقدير، ليس يقتصر على الإنشاد، بل يتبعه بالإنشاء، وشعره الذي ينشئه في الأبواب المختلفة رقيق لطيف وإن لم يخل من لمحات فقهية كقوله:
أريتني النجم يجري بالنهار فلا
فرقا أرى بين إصباحي وإمسائي
أخفيت حبك حتى قد ضنيت به
فصار يظهر ما أخفيه إخفائي
وقوله:
وتزعم للواشين أني فاسد
عليك، وأني لست ممن عهدتني
وما فسدت لي - يشهد الله - نية
ولكنما استفسدتني فانهمتني
غدرت بعهدي عامدا وأخفتني
فخفت ولو آمنتني لأتمنتني
إلى الله أشكو لا إليك فطالما
شكوت الذي ألقى إليك فزدتني
إلخ إلخ.
وله شخصية واضحة فيما يختار، وكثيرا ما يحكم حبه فيما يعرضه من شعر، فهو يفضل قول القائل:
يقولون صبرا يا يزيد إذا نأت
ويا رب لا ترزق على حبها صبرا
على قول المجنون:
فيا رب سو الحب بيني وبينها
كفاء فلا يرجح لليلى ولا ليا
وهو يرى خطأ الذين يقولون إن كثرة العذل تزيد الحب، ويرى أن العذل لا يزيد المحبة ولا ينقصها، وإنما هو يزيد في الإشفاق على المحبوب، ويتخوف أن يؤثر فيه العذل فيستمسك بحبه فيظن أنه زاد إلخ.
وكثيرا ما يعلن استحسانه واستهجانه لما يروي، فيقول وقد لطف أبو تمام إذ يقول:
وإذا فقدت أخا ولم تفقد له
دمعا ولا صبرا فلست بفاقد
وينقد البحتري نقدا شديدا في قوله:
لي خليل قد لج في الصرم جدا
وأعاد الصدود منه وأبدى
إلى أن يقول:
أغتدي راضيا وقد بت غضبا
ن وأمسي مولى وأصبح عبدا
أتراني مستبدلا بك ما عش
ت بديلا أو واجدا منك ندا
حاش لله أنت أفتن ألحا
ظا وأحلى شكلا وأملح قدا
فينقده ابن داود في إعلانه أنه يتغير في هواه، فمرة يرضى ومرة يسخط، وهي حال خسيسة، والمحب الصادق إذا غضب فإنما يغضب ظاهره، وقلبه متيم أبدا على حبه، كما ينقده في أنه بنى حبه على ما يستحسنه من قده وحسن صورته، وإذن فإذا تغير حسنه أو وجد من هو أحسن منه تركه، وليس ذلك شأن الحب الحق، فإنه يحبه لأنه هو هو، لا لحسن صورته ولا لأي سبب آخر. وهكذا يتم الكتاب.
ومزاج رقيق مثل هذا، وحب مضن كالذي رأيت، وحيرة شديدة بين حب القلب وتقاليد الحياة، قلما يسمح لصاحبها بعمر طويل وصحة طيبة. وقد سئل في مرض موته: ماذا تشكو؟ قال: حب من تعلم صيرني إلى ما ترى. فمات شابا في الثانية والأربعين من عمره سنة 297. رحمه الله. •••