تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن عجائب القدر وأشد المحن أن يقع عشقه على فتى بغدادي من أجمل أهل زمنه، كان يبيع العطر، اسمه محمد بن جامع الصيدلاني، وكتما الحب حينا ثم اشتهر فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه، وكان إماما في الدين وإماما في العاشقين؛ فكان عشقا عفيفا لم يأخذ الناس عليه هفوة، ولا اطلعوا منه على زلة، وهو نفسه يصف عشقه فيقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي

وأمنع نفسي أن تنال المحرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه

على جامد الصخر الأصم تهدما

ويظهر سري عن مترجم خاطري

فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما

هو نوع من العشق غريب، هو صداقة بولغ فيها فكانت عشقا، صداقة تأسست على الجمال فكانت غراما، وصادفت مزاجا رقيقا فصارت هياما، وخضعت لكل مظاهر العشق من وصل وهجر، وأرق وضنى وعذاب ودلال:

فواعجبا للدهر لم يخل مهجة

من الحب حتى الماء يعشقه الخمر

هو في أشد الحيرة بين حب يأمر، ودين ينهي، وقبلة تشتهي وورع يحول، له كل عذاب الهجر وقليل من لذة الوصل.

وكان محبوبه «محمد بن جامع» يقدر حبه وإخلاصه فيواسيه بزيارته وبماله وبالحديث إليه، ومع هذا كله فابن داود هائم في حبه، معذب في غرامه، أنطقه الحب بالشعر فكان شاعرا رقيقا وإن لم يخل شعره من أثر الفقه، فمن قوله:

يا يوسف الحسن تشبيها وتمثيلا

يا طلعة ليس إلا البدر يحكيها

من شك في الحور فلينظر إليك فما

صيغت معانيك إلا من معانيها •••

أشكو عليل فؤاد أنت متلفه

شكوى عليل إلى إلف يعلله

سقمي تزيد مع الأيام كثرته

وأنت في عظم ما ألقى تقلله

الله حرم قتلى في الهوى سفها

وأنت يا قاتلي ظلما تحلله •••

حملت جبال الحب فيك وإنني

لأعجز عن حمل القميص وأضعف

وما الحب من حسن ولا من سماحة

ولكنه شيء به النفس تكله

إلخ إلخ.

وأكسبه العشق رقة ولطفا، فكان فقيها رقيقا لطيفا. اعتاد أن يدخل جامع بغداد من باب اسمه «باب الوراقين»، ثم هجر الدخول منه، فسئل في ذلك فقال كنت داخلا يوما فرايت متحابين يتحادثان فتفرقا إذ رأياني، فآليت ألا أسير في مكان فرقت فيه بين محبين. وكان في مجلس فقهه فدفعت إليه رقعة ظنها أصحابه مسألة فقهية، فأخذها وكتب الرد في ظهرها، فإذا السائل ابن الرومي وقد كتب فيها:

يا ابن داود يا فقيه العراق

أفتنا في قواتل الأحداق

هل عليهن في الجروح قصاص

أم مباح لها دم العشاق

وإذا رد ابن داود عليها:

كيف يفتيكم قتيل صريع

بسهام الفراق والأشقياق

وقتيل التلاق أحسن حالا

عند داود من قتيل الفراق

لقد وقفته الظروف الاجتماعية موقفا حرجا، فطبيعته طبيعة غزلة، ولو طاوعها وجرى على هواها لكان فنانا أديبا، يهيم بالحسن كما ينبغي، ويقول في الجمال ما يشتهي، ولكان كالعباس بن الأحنف أو أبي نواس أو أبي تمام أو البحتري، اعتاد الناس - في أمثالهم - أن يطلقوا لهم حريتهم في الفعل والقول، فهم يهيمون في كل واد، ويسبحون في كل خيال، ويذهبون في كل فن، والناس يعجبون بما يجيدون ولو خالف أوامر الدين وأوامر الخلق، يقابلون بالاستحسان خمريات أبي نواس وغلمانياته، وغلمانيات المطيع بن إياس والبحتري وأبي تمام، ولا يرون في ذلك حرجا في باب الفن وإن تحرج منه رجال الخلق والدين.

ولكن ابن داود وقع بين شقي الرحى، له طبيعة العزلين وحياة رجال الدين، هو مخلص لحبه، مخلص لدينه، والحب يدعوه لخلع العذار، والدين يدعوه للتزمت والوقار، فما أحرجه من موقف وما أشدها من حيرة! وليته عشق العشق الطبيعي، حب الجواري الحسان والحور العين، ولكنه وقع في حب غلام، وهو أبعد عن الدين وأقدح في سيرة المتقين، فكان في ذلك شأنه شأن معاكسة الظروف للطبيعة، فتجعل من الأديب طبيبا ومن الطبيب أديبا، ومن الفيلسوف نجارا ومن الشاعر محاربا.

ولما تيمه الحب تسلى بأن يؤلف كتابا في العشق، فكان من أوائل ما ألف في هذا الباب، وقد سماه «الزهرة» ومن حسن حظنا أن قد وصل إلينا جزء منه نحو نصفه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨١١