تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ختم الكتاب بقوله: «وقد أوجزت لك أيها الوزير ما إن كان علمك به محيطا ذكرك، وإن كنت غافلا عنه أنذرك. والله يمدك بتوفيقه وبعينك على طاعته». •••

وهذا كما ترى بدء لطيف، واتجاه طريف، اتجه مؤلفه من نحو ألف عام إذ لم يكن يحسن الأوربيون الإتيان بمثله، ولكن مصيبتنا أن كثيرين من نوابغنا ابتكروا في التفكير. وقالوا الكلمة الأولى في الموضوع، ثم لم يأت بعدهم من يقول الكلمة الثانية. فوقفنا عند الكلمة الأولى، وظننا أنها كل شيء، وقلدنا ولم نبتكر، وعنينا بالرواية دون الدراية، وبالتقليد دون الاجتهاد - وكان هذا موقفنا في كل فرع من فروع العلم؛ كان هذا موقفنا في كتاب «الحيوان» للجاحظ وقد بنى كثيرا مما قال على التجربة والملاحظة. وكان هذا موقفنا في كتاب «الأحكام السلطانية» وما أبداه الماوردي من آراء في القانون الدستوري، وكان هذا موقفنا في مقدمة ابن خلدون وما ابتكره من علم الاجتماع - وظللنا وقوفا حتى أتتنا التكملات من الخارج لا منا. ولو سرنا السير الطبيعي في بناء الخلف على أعمال السلف لكان نمونا كنمو الشجرة من داخلها لا بتضخيمها تضخيما صناعيا من خارجها، وكنمو الطفل إلى رجل لا تضخم الطفل بكثرة ملابسه. فما أحوجنا إلى البناء لنعوض به ما فقدنا بالخمول والخمود!

| في الأدب العربي (6)

إمامان عاشقان

كلاهما نشأ في بيت علم، وكلاهما أعد ليكون عالما دينيا كبيرا، وكلاهما شاءت المصادفة أن يكون ممن يتزعمون مذهب أهل الظاهر «وهو مذهب يرى التمسك بظواهر القرآن والحديث وتقديمها في التشريع على اعتبار المصالح والمعاني المعقولة، ولذلك ينكر القياس».

وأحدهما كان في بغداد والآخر في قرطبة.

وقد كانت حياة أمثالهما تتطلب تجاهل الحب، وعدم الوقوع في حبائله، وغض النظر وكبت النفس، وترك ذلك لأهل الخلاعة والأدب.

ولكن ماذنبهما وليس مرد العشق إلى الرأي فيملك، ولا إلى العقل فيدرك، إنما هو كما قال الشاعر:

ليس أمر الهوى يدبر بالرأ

ي ولا بالقياس والتفكير

إنما الأمر في الهوى خطرات

محدثات الأمور بعد الأمور

لا تدرك الأبصار مداخله، ولا تعي القلوب مسالكه، وهو كما قال أبو وائل: إن لم يكن طرفا من الجنون فهو عصارة من السحر، فسواء كان صاحبه فقيها أو دينا ورعا أو داعرا فاجرا، فهو إذا مس قلبا صرعه وأذله:

لقد كنت ذا بأس شديد وهمة

إذا شئت لمسا للثريا لمستها

أتتني سهام من لحاظ فأرشقت

بقلبي ولو أسطيع ردا رددتها

هما محمد بن داود الظاهري وعلي بن حزم، وكلاهما لم يكتم الحب ولم يخفه، بل أظهره واعترف به وألف فيه.

فأما محمد بن داود فنشأ في بيت زهد وفقر، كان أبوه - داود الظاهري - ملء الدنيا علما وفضلا، وإليه انتهت رياسة العلم ببغداد، ولكنه أبى أن يتكسب شيئا بعلمه، فهو يعيش أحيانا على النخالة وورق الهندبا، ويأبى كل الإباء أن يمد يده لمعونة أحد، ويرد بأنفة وشمم ألف درهم يقدمها إليه جار له موسر.

وهكذا نشأ الفتى «محمد» في هذا البيت الفقير النبيل، وكان له هذا النوع من المزاج الرقيق الحاشية، اللطيف الحس، المشبوب العاطفة، الذي يرى الجمال فيهيم به قلبه، ويذهب فيه لبه، ولا حول له في ذلك ولا حيلة، إنما هي فطرة فطر عليها تلمحها في رقة جسمه، وتقاسيم وجهه، وقرب دمعته، ومظاهر رحمته، يحسبه الخلي خورا في الطبيعة وضعفا في النفس، ولكن المحب لا يرضي عنه ضعفه بقوة، ولا عن حبه بسلوة.

قال الخلي: الهوى محال

فقلت لو ذقته عرفته

فقال: هل غير شغل قلب

إن أنت لم ترضه صرفته

وهل سوى زفرة ودمع

إن لم ترد جريه كففته

فقلت من بعد كل وصف:

لم تعرف الحب إذ وصفته

وعلى هذا كان العذريون، وكان المجنون وأمثال المجنون.

أدرك هذا المزاج محمد بن داود وهو في صباه، فعشق وهو في الكتاب، ثم شب فشب معه الحب، ولم يمنعه حبه أن يبرع في علمه؛ ومن أجل هذا لما مات أبوه - وعمر هذا الشاب خمس وعشرون سنة - رآه العلماء جديرا أن يخلف أباه في كرسيه لعلمه وفضله وإمامته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨١٠