علاقة الوزير بالشعب:
وخلاصة رأيه فيها أن لكل صنف من أصناف الشعب كالزراع والصناع والتجار تقاليد يجب مراعاتها ثم معاملتهم كلهم بالإنصاف. ثم عدم تدخله هو ولا السلطان في مكاسبهم حتى ولا من طريق التجارة (لأن هذا وهن في السياسة، وهم إن زاحموا العامة في مكاسبهم أوهنوا الرعية، وعاد وهنها عليهم، وقد قال رسول الله: إذا اتجر الراعي أهملت الرعية).
ثم أهم واجبات الوزير في نظر الماوردي:
الدفاع: دفاع الوزير عن الملك من كل ما يمسه، فيقود الرعية إلى طاعته بالرغبة، ويكفهم عن معصيته بالرهبة، وقد بلغ المأمون أن الجند شغبوا بخراسان ونهبوا، فكتب إلى عامة بها: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا، ودفاع الوزير عن المملكة من أعدائها بإعداد العدة، ومعاملة كل عدو بما يناسبه، من المقابلة والمسالمة، أو الملاطفة والملاينة، أو السطوة والمخاشنة، ودفاع الوزير عن نفسه من خصومه، وهؤلاء يدفعون بالملاينة إن نجحت؛ وأهم من ذلك ألا يمكنهم من نفسه بأخطائه وظلمه، فإن لم ينجح الحلم فالشر بالشر، ثم الدفاع عن الرعية من الخوف والاختلال، وذلك بإعانتهم على صلاح معايشهم، ووفور مكاسبهم، وعدم مغالاة الحكومة في طلب ما تظنه من حقوقها، وإحاطتهم بكف الأذى عنهم، ومنع الأيدي الغالبة منهم.
واهتم كثيرا بالتنبيه على أن يكون الوزير متصفا بالإقدام، والإقدام في نظره يجمع بين صفة الحزم والعزم؛ فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي، والعزم تنفيذها في أوقاتها المقدرة لها والإقدام نوعان: نوع في اجتلاب المنافع للدولة كالتوسع في الملك، ولأن ينال ذلك بطريق الاحتيال، خير من أن ينال بطريق القتال، وكجلب الرفاهية للرعية في داخليتها، كتعمير الأرض وحماية الزراعة والتجارة وتنشيطهما؛ وعماد ذلك كله العدل، وأما دفع المضار فبعلاج كل داء بدوائه، فإذا اختلفت الأمور بالإهمال عولجت باليقظة، وإذا كان من الجور عولجت بالعدل. وإذا كان الوزير المتولي هو المسئول عن الخلل كان مؤاخذا على حصوله ومطالبا بجبره، وإن كان صادرا عن غيره كانت جريرة الإساءة على ذلك الغير، وواجب العلاج على الوزير المتولي.
وذكر أن من أهم صفات الوزير الحذر؛ واهتمامه بهذه الصفة كل الاهتمام راجع إلى ضروف زمانه التي أشرنا إليها قبل، وقد قسمه إلى حذر من الله، وهذا يحمله على إطاعته في تدبير شئون الرعية بالعدل، ويمنعه عن الظلم والجور، وحذر من السلطان، وهذا يحمله على ملاينته ومجاملته، ونصح الوزير الذي كتب له هذا الكتاب بقوله: «اقبض نفسك إذا قدمك، وتواضع له إذا عظمك، واحتشمه إذا آنسك، ولن له إذا خاشنك، واصبر على تجنيه إذا غالظك». وعرض لما إذا حدث بينهما خلاف في الرأي، وقد روينا خطته في ذلك من قبل، وحذر من الزمان وتقلبه، وهذا يحمله على الاستعداد لنوائبه، بفعل الجميل وغرس الصنائع، لتكون ذخرا له عند الشدائد، وأخيرا الحذر من أهل الزمان، فالوزير محسود بما فيه من النعمة، وهو محاط بكثير من الأعداء.
ثم استعرض أصناف الناس وكيف يعامل كل صنف.
ثم عقد فصلا للموظفين، وما للوزير من سلطة في التولية والعزل، والقواعد التي يرعاها في ذلك.
وفصلا في بيان ان الوزارة نوعان: الأول وزارة التفويض، وهي الوزارة المعروفة عندنا في إدارة شئون الحكم، من عقد وحل وتولية وعزل، ووزارة أخرى تسمى وزارة التنفيذ، وهي التي يعهد فيها الملك لشخص بمهمة خاصة ينفذها حسبما رأى الملك.
وأخيرا عرض لنصائح عامة هامة للوزير مثل: «اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته، وإحسانه من إساءته، فتعمل بما علمت من إقرار الكافي وصرف العاجز وحمد المحسن وذم المسيء اقتصر من الأعوان بحسب حاجتك إليهم، ولا تستكثر منهم لتتكثر بهم، فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل، أو اتفاق يتشاكل به العمل،لا تعول على التهم والظنون، واطرح الشك باليقين تثبت فيما لا تقدر على استدراكه، احذر قبول المدح من المتملقين، فإن النفاق مركوز في طباعهم، اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك، وسع قلبك فالقلب الضيق لا تحسن به الرئاسة، اجعل يومك أسعد من أمسك، وصلاح الناس عندك بصلاح نفسك، ومل إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف، تجدهم كنوزا في شدائدك ، وحرزا في نوائبك إلخ».