وكان الظن والوزارة على هذه الحال وقل منهم من سلم برأسه أن يفر الناس منها فرار الخروف من السكين. ولكنهم - مع العجب - كانوا يتنافسون فيها ويدبرون المؤامرات والدسائس لمن يتولاها حتى يخلع ويقتل ويصادر فيحلوا محله، ويتسابقون إلى الرشا لينالوا الوزارة، حتى حكوا أن أحدهم وعد بثمانية ملايين من الدراهم إذا ولي الوزارة، فتعهد الوزير الذي في المنصب أن يدفع ستة ملايين ويبقى في الوزراة، وهكذا كان كرسي الوزراة كرسيا مسحورا من جلس عليه فقد وعيه، ومن بعد عنه جذبه ببريقه ولو كان فيه حتفه. ولله في خلقه شئون.
في هذا المحيط الذي وصفنا ألف الماوردي كتابه «قانون الوزارة». •••
ومن عادة العقل الغربي الميل إلى التحليل، فلو كتب في موضوع حلله حتى يستقصيه؛ يظهر ذلك جليا في تأليفه وأدبه في المقالات والروايات ونحوها، ومن عادة العقل الشرقي الميل إلى التركيب وخاصة في العصور الوسطى قبل أن ينهج المنهج الغربي في العصور الحديثة، فهو أميل إلى الكليات، وأميل في الأدب إلى الأمثال والحكم.
فلو كتب كاتب غربي في قوانين الوزارة لذكر المبادئ العامة وحللها وأبان تفاصيلها وطبقها على المعروف منها في زمانه.
أما الماوردي فقد ذكر بعض هذه المبادئ، ولكنه لم يلبث أن لجأ إلى الحكم والأمثال والشواهد الأدبية من غير أن يتعرض لتفاصيل الموضوع والاستشهاد بأحداث الزمان.
ومع هذا ففي الكتاب لفتات قيمة، ونظرات دقيقة صائبة، وقد وضع كتابه لوزير معين لم يسمه، وجه إليه خطابه، ولم أهتد أنا إلى تعيينه.
من هذه اللفتات تحديده لمركز الوزير بين الرعية والملك؛ إذ يقول: «وأنت أيها الوزير، أمدك الله بتوفيقه في منصب مختلف الأطراف، تدبر غيرك من الرعايا ، وتتدبر بغيرك من الملوك، فأنت سائس مسوس، تقوم بسياسة رعيتك، وتنقاد لطاعة سلطانك، فتجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع، فشطر فكرك جاذب لمن تسوسه، وشطره مجذوب لمن تطيعه، وهو أثقل الأقسام الثلاثة محملا، وأصعبها مركبا؛ لأن الناس ما بين سائس ومسوس وجامع بينهما».
وعنده أن الوزير عليه جملة مسئوليات: (1)
تنفيذ أوامر السلطان:
وقد تعرض عند ذلك لنقطة شائكة، وهي ما إذا أبدى السلطان رأيا لم يرضه الوزير: وخلاصة رأيه «أن الوزير يرده عن الخطأ باللطف ويقوي عزمه على الصواب بالحمد». وكذلك إذا كان الرأي من قبل الوزير فعارضه السلطان، فعند ذلك يستوضح السلطان أسباب معارضته بلطف، فإن اقتنع برأي السلطان عدل عن رأيه هو ونفذ رأي السلطان مع شكره، وإن كان الصواب مع الوزير فإن أقنع السلطان نفذه، وإن لم يستطع إقناعه توقف عن تنفيذ رأيه، وكان الذي يتحمل مسئولية التوقف هو السلطان، ولا أدري لماذا لم يدر في خلد الماوردي استقالة الوزير.
ومن ألطف ما روي في هذا الباب، أن للسلطان على الوزير حقوقا، وللوزير على السلطان حقوقا، فحقوق السلطان على الوزير قيام الوزير بمصالح ملكه بعمارة بلاده وتقويم أجناده، وتثمير مواده، وحياطة رعيته، ثم القيام بمصالح نفس السلطان من إدراك كفايته، وتحمل عوارضه وتهذيب حاشيته، ثم القيام بمقاومة أعدائه من تحصين الثغور، واستكمال العدة، وترتيب العساكر. وأما حقوق الوزير على السلطان، فتقوية يده، وتنفيذ رأيه، وإطلاق كفايته، وألا يجعل لغيره عليه أمرا، ثم ألا يؤاخذه من غير ذنب، ولا يقدم عليه من دونه، ولا يمكن منه عدوا، ثم ألا يرتاب السلطان في باطن الوزير متى كان ظاهره سليما، وألا يستبدل به غيره متى استقام نظره وعمله، ثم ألا يحمله ما ليس في قدرته، ولا يكلفه فوق ما في طاقته. (2)
علاقة الوزير بمن تحت يده من الموظفين:
والوزير في هذا يجب أن يطلق يدهم في التصرف متى وثق بهم. وأما المسائل الهامة التي يرجع فيها الموظفون إلى رأيه فعليه أن يتحرى المسائل قبل إبداء الرأي، ويعرف وجه الخطأ والصواب فيها. (3)