فالوزير كان يتلقى سلطته من الخليفة أو الملك، وقد جرت عادة الخلفاء العباسيين من أول عهد خلافتهم أن يسندوا أمرهم إلى وزير واحد يتولى شئون الدولة في جميع مرافقها، من مالية وإدارية وداخلية وخارجية، وهو الذي ينيب عنه من شاء في دوائر الاختصاص. أما النظام المعروف عندنا اليوم من توزيع أمور الدولة بين وزارات مختلفة فلم يكن يؤخذ به في العهد العباسي، وإنما ساروا عليه في الأندلس. قال ابن خلدون: «وأما دولة بني أمية بالأندلس ... فقسموا خطته أصنافا وأفردوا لكل صنف وزيرا، فجعلوا لحسبان المال وزيرا، وللترسيل وزيرا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرا، وجعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم، وينفذون أمر السلطان هناك كل فيما يجعل له، وأفرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصوه باسم الحاجب».
أما في المشرق فكان للخليفة وزير واحد يعمل باسمه في كل شيء. ولما اتسعت رقعة الدولة أيام عضد الدولة عين لدولته وزيرين، وزيرا لفارس ووزيرا للعراق.
ولما تسلط الأتراك أولا وبنو بويه ثانيا انتزعوا من الوزير العباسي السلطة على الجنود والمسائل الحربية وأصبح أهم عمل يقوم به الوزير جباية المال وإنفاقه وضبطه.
وفي القرن الرابع كان مرتب الوزير خمسة آلاف دينار في الشهر، ثم رفع إلى سبعة آلاف، غير مرتبات لأولاده، وهو مبلغ ضخم إذا قيس بالوقت الحاضر، وخاصة إذا علمنا أن قوة الدينار الشرائية كبيرة جدا بالنسبة إلى الجنيه في عصرنا. ولكن إذا فهمنا أن واجبات الوزير إذ ذاك كانت تستدعي نفقات هائلة استصغرنا هذا المرتب. فبيته كان مضيفة عامة لأصحاب الحاجات والعلماء والشعراء، فمثلا كان في دار الوزير ابن الفرات مطبخان، مطبخ للخاصة ومطبخ للعامة، ولا يحصى ما كان يدخل المطبخين من الحيوان لكثرته، ولا ينقطع الخبازون عن الخبز فيه ليلا ونهارا، وكانت ألوان الطعام توضع وترفع على مائدته أكثر من ساعتين.
هذا عدا ما كان واجبا عليه من إهداء الثياب في المناسبات، وما كان يمنحه من المرتبات الشهرية لكثير من الأسر.
ذلك لأن الحالة الاقتصادية كانت سيئة، فهذا الغنى المفرط في قصور مثل هؤلاء الوزراء يقابله فقر مدقع في بيوت الشعب، والثروة المركزة تستوجب واجبات كثيرة وأعباء ثقيلة على ذويها.
وقد قالوا إن بيت ابن الفرات هذا كان مدينة بذاتها، فيها المطابخ والخياطون وصانعو الحلوى والقائمون على الشراب وصانعو الشمع إلخ.
وكان هذا الغنى الوفير والجاه العريض «على كف عفريت» فاليوم في الصدر وغدا في القبر. والحكومة حكومة استبدادية محضة يرجع الأمر فيها إلى إرادة ولي الأمر، وهو في ذلك العصر الملك البويهي، رقبة الوزير وثروته متوقفة على كلمة من هذا الملك، يرضى فتقبل الدنيا على الوزير لا إلى حد، ويغضب فتدبر الدنيا عنه لا إلى أحد. ليس للوزير في الحياة ولا حق في الملك، بل حياته وماله رهن إشارة الأمير، والأمير قلما يسلم من الغضب، فالوزير قلما يسلم من القتل والمصادرة.
ولهذا كان تاريخ الوزراء في هذا العصر تاريخا عجيبا؛ فالوزير ابن الفرات نكب وصودرت أمواله، والوزير ابن مقلة الخطاط المشهور قطعت يده ثم قطع لسانه بعد ثلاث سنين، وبقي في الحبس حتى مات، والوزير المهلبي ضربه سيده مرة مئة وخمسين مقرعة، ولما مات قبض معز الدولة البويهي على عياله وأتباعه وصادر كل أملاكهم، وابن بقية الوزير سملت عينه ثم طرح للفيلة وصلب على شاطئ دجلة وهو الذي قال فيه الشاعر قصيدته المشهورة: «علو في الحياة وفي الممات» إلخ إلخ.
ولهذا كثر في الأدب العربي في تلك العصور التحذير من هذه المناصب كالوزارة والقضاء، وقيلت الحكم الكثيرة في النصح بالابتعاد عنها، لأن تحقيقهم للعدالة في مثل هذه الظروف غير ممكن، وطمأنينتهم على أنفسهم وأموالهم مفقودة.