وقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت
ركائبه فالدين ديني وإيماني •••
عزة العلم لعلي بن عبد العزيز الجرجاني
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي
لأخدم من لاقيت، لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة
إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما •••
وحذرت من أمر فمر بجانبي
لم يبكني، ولقيت ما لم أحذر •••
قيل: قد عدا كلب صيد وراء غزال، فقال الغزالي: لن تلحقني، قال الكلب: لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.
| في الأدب العربي (5)
قوانين الوزارة
الإمام أبو الحسن الماوردي من أئمة الدين، وعلم من أعلام الشافعية، درس بالبصرة وبغداد، ثم تولى التدريس ببغداد، وكان مقصد العلماء والمتعلمين، ثم تولى القضاء في عدة بلاد، فاستفاد بجانب علمه خبرة واسعة بأهل زمنه. ثم عاد إلى بغداد وتمكنت الصلة بينه وبين الخليفة القادر، وسفر بينه وبين بني بويه الذين كان بيدهم السلطان الفعلي على العراق، وسفر لبني بويه في مشاكلهم. فلما أراد جلال الدولة البويهي سنة 429 أن يلقبه الخليفة المقتدى «شاهنشاه» أو ملك الملوك الأعظم استفتى الماوردي في ذلك فأفتى بعدم الجواز فجلبت له هذه الفتوى عداوة البويهيين.
مكنت له هذه الحياة العلمية والقضائية والسياسية واتصاله بالرؤساء ذوي السلطان الشرعي والفعلي من معرفة بدقائق الأمور وألاعيب أهل السياسة، إلى علمه بالفقه ونظرياته.
وكان لهذا كله أثر كبير في اتجاهه جهة تشريعية قل من علماء الفقه من اتجه إليها، وهي البحث في «القانون الدستوري» فألف في ذلك كتابا خالدا هو «الأحكام السلطانية» كان مرجع كل من كتب في نظام الحكم عند المسلمين، تعرض فيه للخلافة أو الإمامة، والوزارة والإمارة والقضاء وولاية المظالم وأنواع الولاية كولاية النقابة على الأنساب والولاية على إمامة الصلاة وولاية الأموال ووضع الدواوين وترتيبها ونظامها واختصاصها إلخ إلخ.
والكتابة في هذا الموضوع شائكة. فهي ليست مثل الكتابة في الصلاة والزكاة، ولا كالكتابة في البيوع والإجارات، بل هي في الصميم من الحياة السياسية، تمس أولي الأمر ومن بيدهم زمام الحكم، من الخليفة إلى المحتسب، وتبين ما هو حق من توليهم الحكم وما هو باطل، وما هو صواب في تصرفهم وما هو خطأ. ولعل هذا هو السبب في قلة تأليف الفقهاء في هذا الباب مع عظم أهميته. ولو وجه إليه العلماء عنايتهم فوضعوا في كل هذه الأمور قواعد ثابتة وأحاطت الأمة هذه القواعد بقوتها لم يقع كثير من الأحداث المحزنة في الخلاف على الخلافة ومن يتولى الإمارة ودسائس الوزارة ونحو ذلك مما أخر المسلمين وفرق كلمتهم وأضعف قوتهم.
وربما كان الحرج في هذا الموضوع أيضا هو السبب في أن الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» اقتصر على الجانب النظري في الموضوع ولم ينغمس في الجانب العملي، فلم يتعرض لتطبيق نظرياته على أحداث زمانه، مع أن زمانه مملوء بالحوادث العظام كثورة القرامطة وشيوع دعوة الإسماعيلية من مركزها في قلعة ألموت وغلبة بني بويه على العراق، وتسلط الفاطميين في مصر وخلافة هشام ابن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في الأندلس. فكل هذه وأمثالها كانت تكون مددا صالحا للتطبيق على ما وضع الماوردي من نظريات. ولكنه لم يفعل شيئا من ذلك، فلم يتعرض لبيان الخطأ والصواب فيما يفعل الخلفاء العباسيون والملوك البويهيون والأمراء من الفرس والترك. ولو فعل لطار رأسه، ومع هذا ففيما فعل خير كثير، وشجاعة يحمد عليها. •••
وفيما كتب أيضا من الاتجاه النادر كتاب في الوزارة وقانونها سماه «قوانين الوزارة» وهو موضوع حديثنا الآن، وقد نشر في مصر بعنوان «أدب الوزير» - وليس يفهم هذا الكتاب حق الفهم إلا إذا فهمت حالة الوزارة في أيامه أعني القرن الرابع الهجري وأول الخامس.