هذه النبذة القيمة أرجو أن تقرأها مرة واثنتين وثلاثا قبل أن تسمع تعليقي عليها.
هذه صفحة رائعة للغزالي في ملاحظة نفسه، وإمعانه في الشك في كل ما تعلم وما تلقن.
لقد رفض بادئ بدء التقليد في العقائد، ورأى أنه ليس أساسا صالحا للعلم ، فكل ذي دين يقلد أهل دينه، فإذا زعم أن دينه هو الحق بناء على هذا التقليد، فأهل الأديان الأخرى يستطيعون أن يقولوا مثل قوله، وإذا جاز أن يكون التقليد شعار العجزة والعامة فلا يصح أن يطمئن إليه الخاصة وأصحاب العقول القوية، فإن هؤلاء إنما يجب أن يعتمدوا على العلم اليقيني.
وما العلم اليقيني؟
يعرفه الغزالي بأنه «العلم الذي ينكشف به المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم».
على هذا الأساس استعرض الغزالي ما تعلمه من صغره وفي شبابه وشيخوخته فلم يجد فيها ما يصح أن يتصف بهذا الوصف؛ لأن أقصى ما يصح أن تستمد منه معلوماتنا ثبوتها هو المحسوسات والأوليات العقلية، وكلاهما لا يصح أن يستند عليه، فالحواس خداعة من غير شك، والأوليات العقلية يعتريها الشك أيضا إذ من المحتمل أن تكون الحالة عقلية، كحالة النائم، يعتقد بثبوتها مدة نومه، فإذا استقيظ بددها الانتباه، فما الذي يمنع أن تغشى الإنسان حالة أخرى ينظر فيها إلى العالم من زاوية جديدة، فيرى فيها أن حالة اليقظة كذلك مزيفة. ونظير هذا ما يحدث للصوفية، فإنهم يرون أن حالة اليقظة خداعة كخداع الحواس.
فأين الحق إذن؟
في هذا الطور - كما يحدثنا عن نفسه - أصبح سوفسطائيا لا يؤمن بشيء، ويشك في كل شيء.
هذا العقل القوي النهم المخلص، أراد أن يتثبت من موقفه، فاستعرض كل المعارف في زمانه لعله يجد فيها ما يطمئنه. فقال: «ابتدأت بعلم الكلام، فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي لقد أحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة ... ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها إما التقليد أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار، وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم - سوى الضرورات - شيئا أصلا. فلم يكن (علم) الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا
6 ».
وبعد أن فرغ من علم الكلام اتجه إلى الفلسفة لعله يجد فيها طلبته فقال: «إني بعد الفراغ من علم الكلام ابتدأت بعلم الفلسفة، وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم ... ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا، ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك ... فأطلعني الله على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره».
وقد استخلص بعد البحث، أن فروع الفلسفة هي: (1)
رياضيات:
وهذه أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها. (2)
ومنطقيات:
وهي النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وهذه أيضا لا تنكر، غاية الأمر «أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء من المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل». (3)
وطبيعيات: «وهي البحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة كالهواء والماء، والتراب والنار
7 ، والمركبة كالحيوان والنبات والمعادن وأسباب تغيرها واستحالتها وامتزاجها»، وذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة. وكما أنه ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العسلم (علم الطبيعيات)، إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب «تهافت الفلاسفة». (4)