تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإلهايات:

ففيها أكثر أغاليطهم. فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوا في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيها ثم استرسل في بيان أغاليطهم ناظرا فيها نظرة دينية. (5)

ثم السياسيات، والأخلاقيات:

وهذه لم يطل البحث فيها؛ لأنها مبنية على التجارب والمصالح، وعنده أن كلام الفلاسفة فيها حتى أرسطو وأمثاله مستمد من أصول الدين الأولى.

والذي نلاحظه على نقده الفلسفة، أنه كما عاب الفلاسفة بعدم تقيدهم الشديد بقوانين المنطق، وقع هو في مثل هذا الخطأ، فلم يتقيد بما وضعه هو من أصول الشك والنقد، بل نظر إليها من خلال الدين. ولعل عذره أنه وضع كتاب «المنقذ من الضلال» بعد مروره في دور الشك واطمئنانه إلى الدين بما شرح الله به صدره. •••

ثم انتقل إلى تعاليم الباطنية لعله يجد فيها الحق فلم يطمئن إليها وخاصة في بناء تعاليمهم على نظرية «الإمام المعصوم» وتبين له بعد البحث والتحري أن «ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء».

وأخيرا وجه همته إلى التصوف فاطمأن إليه وقال إنه أدرك بالذوق والسلوك ما لم يدركه بالبحث والنظر، وبه أدرك ثلاثة أصول: إيمان يقيني بالله وبالنبوة وباليوم الآخر. ورأى أن قصر الإيمان على منطق العقل تقصير، وأن وراء قضايا المنطق شعورا ووجدانا هو الذي يصح أن يطمأن إليه في باب الدين.

هذه هي المراحل التي قطعتها نفس حائرة، وعقل مستنير هائم بالحقيقة متحر للحق، دقيق النظر لخطرات الفكر، مسجل لذلك في دقة وأمانة. لم يجد الغزالي في المنطق والمعقولات ومسلك المتكلمين والفلاسفة منقذا من الضلال، فالدين لا يمكن أن ينال من هذا الطريق، ووجود الله وصدور الأفعال عنه، كما يقول: «أمور لا تتسع لها القوى البشرية»، إنما تدرك بالكشف والذوق والعاطفة وانشراح الصدر، وهذا هو ما وصل إليه بعض الفلاسفة أمثال ديكارت وباسكال

8 .

ومما أعجبني في منهج الغزالي في البحث، تأكيده الشديد لوجوب التحرر من الاعتماد على معرفة الحق بالرجال مهما عظموا وطارت شهرتهم، وقد سماها بيكون «الأوهام المسرحية»، ويعني بها الأوهام التي انحدرت إلينا من مذاهب الأقدمين وعقائدهم وأقوالهم، ومثل لذلك بما إذا قلت إن الشمس تدور حول الأرض، مستدلا على ذلك بقول بطليموس.

وقد قال الغزالي قبله قولته اللطيفة في منهجه: «إن عادة ضعفاء العقول أن يعرفوا الحق بالرجال لا الرجال بالحق، وقد قال علي بن أبي طالب: «لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله». والعارف العاقل يعرف الحق ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالما بأن معدن الذهب الرغام، ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب

9

وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج، وإنما يزجر عن معاملة القلاب القروي دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع». •••

وقبل هؤلاء كلهم تنبه المتكلمون وعلى رأسهم الجاحظ إلى قيمة منهج الشك والتفت التفاتة لطيفة إلى التفرقة بين الخاصة والعامة؛ فالعامة أسرع إلى تصديق كل ناعق، يغرهم القائل ويغرهم صاحب الحنجرة القوية ويغرهم التهويش. أما الخاصة فيعتمدون على المنطق، فلا يصدقون إلا ببرهان، ويتوقفون بالشك حتى يقوم الدليل؛ وفرق بين مواضع يصح فيها الشك، ومواضع لا يصح فيها، فعاب من أجرى الشك في كل الأمور، وحكى أن العلماء أجمعوا على أن الشك درجات، واختلفوا في أن اليقين درجات.

وأنا من رأي من يقول: إن اليقين أيضا درجات.

قال الجاحظ: «اعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٠٤