تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلي طبيعة تألف الحقيقة ولها بها اتصال وثيق.

وجاء «ديكارت» فشك وتعمق في الشك وقال: «أنفقت ما بقي من عهد الشباب في الارتحال، أزور الملوك في قصورهم، وأنخرط في سلك الجيوش، وأبادل الحديث رجالا من ذوي المناصب المتفاوتة، والطبقات المتباينة، وأجمع من التجربة ألوانا شتى، وأغوص بفكري فيما أصادف من تجارب لعلي أستفيد علما جديدا».

وقال: «إن الحواس بطبيعة تركيبها لا تؤتمن على ما تنقله إلينا من علم، فليس لنا بد من الشك في أحكام العقل وفي الآثار الحسية معا، لا نستثني من هذه أو تلك شيئا، حتى ما يبدو منها بديهيا لا يحتمل الشك فالعالم ملئ بأنواع المادة، ولكن الحواس أنبأتنا بوجود الطبيعة، بكل ما فيها، والحواس غاشة خادعة

1 ». «ثم إننا نعتقد في النوم أمورا، ونتخيل أحوالا، ونحسب لها ثباتا واستقرارا، ثم نستيقظ فنعلم أن ما رأيناه أثناء النوم كان حلما، فما المانع من أن تكون تصوراتنا في اليقظة كلها خيالات لا حاصل لها؟ وليس هناك أمارات يقينية يمكن أن نميز بها اليقظة من النوم بوضوح وجلاء

2 ».

وقال: «لاحظت أنني منذ سنواتي الأولى قد تلقيت طائفة من الآراء الخاطئة على أنها صحيحة، ومن ذلك حكمت أنه يجب أن أخلص نفسي من الآراء التي تلقيتها في الماضي، وأن أعاود البحث من أساسه إذا أردت إقامة شيء ثابت راسخ في العلوم

3 ». «ولكن مهما شككت وأمعنت في الشك فستبقى لي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك الجارف، وهي أن هناك ذاتا تشك، فمهما ألححت في الشك فلن أشك في أني أشك».

ومن هذه النقطة بدأ تفكيره

4

وأفاض في الشك على أنه منهج في البحث

5 . •••

وفي الأدب العربي صفحات رائعة من هذا القبيل لعل أروعها صفحة الإمام الغزالي في حيرته العلمية وشكه وتحريه للحق، وسبقه لديكارت في لفتاته، وتسجيل ذلك كله تسجيلا دقيقا مفصلا في كتابه «المنقذ من الضلال» يقول: «لم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته». «وقد كان التفطن إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله حيث يقول: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» فتحرك باطني إلى معرفة حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات، فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم». «ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني». «ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات، فقلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من إحكامها أولا ... فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر: هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا، وأخذ يتسع الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه وافقا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم تكن له حالة وقوف، وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار؛ هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته، فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا . فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما، واجبا محالا». «فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات؟ وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته! فتوقفت النفس قليلا وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أمورا، وتتخيل أحوالا، وتعتقد لها ثباتا واستقرارا، ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن بجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل، فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل - هو حق بالإضافة إلى حالتك، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك ...» «فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل، فأعضل هذا الداء ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، حتى شفى الله من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله الواسعة».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٠٢