تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما أمكنته الفرصة بعث يوما لعمرو فخرج إليه في ركبه، وكان عبد الملك أوصى إذا دخل عمرو أن توصد الأبواب دون من معه ففعلوا، حتى إذا اطمأن عمرو في جلسته تقدم حارس فأخذ منه سيفه فقال عمرو: أيؤخذ سيفي؟ فضحك عبد الملك وقال: أتطمع أن تقعد معي بسيف بعد الذي كان منك؟ ثم قال عبد الملك: إني كنت أعطيت الله عهدا إن ملأت عيني منك مستمكنا أن أجمع يديك إلى عنقك ثم أثقلك حديدا، وأمر بجامعة وقيد أعدا له فصيرهما في عنقه ورجليه، فلما أحس الشر ناشده الله والرحم، فقال عبد الملك: إني لو علمت أنك تبقى ويصلح لي ملكي لفديتك بدم النواظر. والله ما اجتمع فحلان في هجمة

2

إلا قتل أحدهما صاحبه، ثم أمر به فقتل ورمى رأسه إلى جند عمرو، ورمى معه ببدر الدنانير فتركوا الرأس واشتغلوا بجمع الدنانير.

وكانت أخت عمرو زوجة للوليد بن عبد الملك فخرجت حاسرة تقول:

غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل

وكلكم يبني البيوت على غدر

وما كان عمرو عاجزا غير أنه

أتته المنايا بغتة وهو لا يدري

كأن بني مروان إذ يقتلونه

بغاء من الطير اجتمعن على صقر

لحي الله دنيا تعقب الذل أهلها

وتهتك ما بين القرابة من ستر

3 •••

سقت هذا الحديث لأدل على درة من درر الأدب العربي؛ ذلك أن عبد الملك استشار أصحابه فيما فعل، فأما المنافقون وهم كثيرون فأطروا عمله، ولكنه «سأل رجلا كان يستشيره ويصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر»، فقال له: ما ترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟

الرجل :

أمر قد فات دركه.

عبد الملك :

لتقولن.

الرجل :

حزم لو قتلته وحييت.

عبد الملك :

أو لست بحي؟

الرجل :

هيهات. ليس بحي من وقف نفسه موقفا لا يوثق منه بعهد ولا عقد.

عبد الملك :

كلام لو تقدم سماعه فعلي لأمسكت.

ليت كلام هذا الناصح الأمين يصل إلى مسامع كبار الساسة ممن يقطعون العهود على الحريات الأربع وميثاق الأطلنطي وضمان مصير الأمم الصغيرة لتحكم نفسها وتدير أمرها ثم ينسون عهدهم، ويخلفون وعدهم.

لقد أصبح عبد الملك بعد هذه الفعلة لا يوثق له بعهد، ولا يطمأن له في قول، مهما وثقه وأكده بالأيمان. وهذا مصير كل ناكث. ورحم الله الناصح إذ يقول: «ليس بحي من وقف موقفا لا يوثق منه بعهد ولا عقد» ورحم الله أخت عمرو إذ تقول:

غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل

وكلكم يبني البيوت على غدر

لحي الله دنيا تعقب الذل أهلها

وتهتك ما بين القرابة من ستر

| في الأدب العربي (3)

الشك قبل اليقين

مما عرف عن خصائص النهضة الحديثة الأوربية أنها طلعت على الناس بأسلوب جديد في البحث هاجمت به الأسلوب القديم، وهو التسليم بالمقدمات تلسيما لا يعلو إليه الشك، والاعتماد كل الاعتماد على القياس المنطقي، فالمقدمات تؤخذ قضايا مسلمة، والبحث كل البحث في القياس وشكله وشروط الاستنتاج منه، فثار قادة النهضة على هذا النمط وصرخوا يطلبون الشك في المقدمات وبحثها وعدم التسليم بها حتى تمتحن وتجرب، وعدم التعصب في كل أشكاله، سواء كان تعصبا لعقيدة اعتقدها أو دم انتسب إليه، أو قول فيلسوف كبير قاله، أو ميل شخصي يتفق مع مزاج الباحث، أو نظم ألفها وتأثر بها أو نحو ذلك. فالباحث يجب أن يشك أولا ليستيقن أخيرا. والشك أصل من أصول البحث ويجب أن يسبق اليقين.

وكان من أسبق واضعي هذا المنهج والملحين في النداء بالشك «فرنسيس بيكون»، ومن أقواله اللطيفة في ذلك:

لم أجد نفسي صالحة لشيء صلاحيتها لدراسة الحقيقة، ذلك أني منحت عقلا له من النشاط والمرونة ما يمكنه من إدراك وجوه الشبه بين الأشياء، وله من الرزانة ما يعينه على تعرف وجوه الخلاف بينها، ولأني منحت رغبة في البحث، وصبرا على الشك، وغراما بالتفكير، وبطأ في الجزم، واستعدادا للفحص، وعناية بالترتيب، ولأني خلقت وليس لي ولع بالجديد ولا إعجاب بالقديم، وأكره كل أنواع الخداع.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٠١