تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إذا تأججت النار واحتدم الغيظ واشتبك الخصوم في القتال نفض من ذلك كله يده، وزعم أنه لم يثر شرا ولم يدبر كيدا، فكان

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ، يحزن للطمأنينة إذا هي كانت، ويعمل للشغب ويفرح إذا هو كان، وكلما كثرت القتلى والصرعى ازداد غبطة وأمعن في التستر.

ثم هو يهزأ بالذكر الحسن بعد الموت، والثناء على أفعاله إذا هو قتل، فلا قيمة لشيء من ذلك كله عنده، وإنما القيمة كل القيمة في حياته سالما غانما.

ذلك هو الفرار السلمي الذي يقول:

وكتيبة لبستها بكتيبة

حتى إذا التبست نفضت لها يدي

فتركتهم تقص الرماح ظهورهم

من بين منعقر وآخر مسند

ما كان ينفعني مقال نسائهم

وقتلت دون رجالها لا تبعد؟

2

هذه أصناف الناس في الفتن في كل زمان ومكان، وفي هؤلاء الشعراء جميعا مزية الصراحة، فكل قد وصف نفسه أصدق وصف، على حين أن في الناس من الصنف الثالث أو الرابع ويزعم نفاقا أنه من الصنف الأول أو الثاني. وعلى كل حال فليست تصلح أمة حتى يكثر فيها الأولون ويقل فيها الآخرون.

| في الأدب العربي (2)

ذلة كبرى

كان عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق رجلا من رجالات الدولة الأموية، عرف بالقوة والعظمة والفصاحة والسخاء، وولي المدينة ليزيد ابن معاوية.

فلما ضعفت الدولة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية وكان الأمر يخرج من البيت الأموي، كان عمرو الأشدق هذا أجد الناس في تولية خاله مروان، وأحسنهم معاونة ومكاتفة له، واجتهادا في صلاح أمره وإفساد أمر ابن الزبير، قاتل مع مروان يوم مرج راهط، ولما وجه ابن الزبير أخاه مصعبا للاستيلاء على فلسطين وجه مروان عمرا هذا على رأس جيش فهزم مصعبا وجيشه ورده إلى المدينة.

وكان عمرو قويا بسخائه وبذله الأموال الكثيرة على أعوانه، فأحبه جنده وأطاعوه وعملوا بإشارته حتى كان قوة لا يستهان بها.

فهو عزيز في نسبه، عزيز في جنده، عظيم في نفسه، قوي في رأيه.

شعر مروان بذلك كله فمناه بالخلافة من بعده استدعاء لطاعته واحتياجا لنصيحته.

فلما استمكن الأمر لمروان ودانت له الأقطار ونظر إلى ابنيه عبد الملك وعبد العزيز فأعجباه، عز عليه أن يخرج الملك عنهما، فنسي عنده لعمرو، وعهد بالملك من بعده لعبد الملك ثم من بعده لعبد العزيز.

وترك عمرا يتجزع الغصص وينتهز الفرص وهو هو القوي الداهية يصف نفسه فيقول: «والله ما أنا بحلو المذاق، وإني لقمن المضرة، ولقد ضرستني الأمور، وجرستني الدهور

1 ، فزعا مرة وأمنا مرة. وإن قريشا لتعلم أني ساكن الليل داهية النهار، لا أتتبع الظلال، ولا أقمص حاجتي، ولا يستنكر شبهي، ولا أدعى لغير أبي».

وقيل له مرة: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إني أبي أوصى إلي ولم يوص بي.

مات مروان ونفذت البيعة فتولى عبد الملك بن مروان.

وثارت الفتن على عبد الملك. فمصعب في العراق وعبد الله بن الزبير في مكة، وسائر الأقطار في فتنة، والدولة محتاجة إلى الأنصار أمثال عمرو بن سعيد، فتقدم عمرو إلى عبد الملك وقال: إنك لتعلم ما قدمت لأبيك من معونة، وما قمت بشأنه وما حاربت معه وما وعدني أن يجعل لي الأمر بعده؟ فرد عليه عبد الملك في جفاء وأنكر عليه مطلبه.

فانتهز عمرو خروج عبد الملك إلى العراق وخرج إلى دمشق، واستولى عليها وأعلن الخلافة لنفسه، وأجابه أهل دمشق، وبايعوه، وحصن المدينة واستعد للقتال، فلما بلغ ذلك عبد الملك أهمه الأمر أكثر مما أهمه مصعب وعبد الله ابنا الزبير، وقفل إلى دمشق فوجدها مغلقة الأبواب مستعدة للقتال، فخاف عبد الملك أن يضيع قوته في قتال عمرو فراسله ومناه، وضمن له أن يوليه بيت المال، ويجعل له ولاية الأمر من بعده مقدما على أخيه عبد العزيز، فأبى عمرو إلا أن تكون هذه الشروط كلها مكتوبة، فكتب له عهدا ووثقه ووقعه. فقبل عمرو وفتح له دمشق فدخلها عبد الملك ونزل دار الخلافة. وكان عمرو يركب إليه فيكرمه عبد الملك حتى سكن إليه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٠٠