تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سوء تعليمنا جعل نوابغنا وأكفاءنا قليلي العدد، يحملون أعباء أكبر عدد، وتشويه أخلاقنا جعل هؤلاء النوابغ الأكفاء يتحاربون ولا يتعاونون، فلا يبقى للأمة بعد هذه الحرب إلا قوة ضئيلة لا تكفي لتسيير السفينة، فهل لنا من عصا سحرية تقلب العداء ألفة، والكره حبا والخصومة تعاونا؟ •••

قديما قالوا إن للشرق أدواء مزمنة، أو على تعبير الأطباء أدواء مستوطنة، هي داء المحسوبية، وداء الأنانية، وداء تضحية المنفعة العامة للمنفعة الشخصية، وهي حقا أدواء مفزعة، ولكن هل هي حقيقة أدواء نبتت من طبيعة الشرق، أو هي أدواء جلبها الغرب وبذرها في الشرق لينعم هو بشقاق الشرق وغفلة الشرق وسوء سمعة الشرق؟ أليس هو الذي اختار أسوأ الناس وحكمهم في أحسن الناس فكره بعضهم بعضا؟ أو ليس هو الذي جعل قيم الناس مرتبطة بالملق له والتقرب إليه فأفسد الذمم ونشر البغض؟

يقول قوم هذا وقوم ذاك، وفي يد قادة الأمم الشرقية المستقلة اليوم ترجيح أحد القولين وتصحيح أي الرأيين. •••

قد كنا فيما مضى نحتمي بالاحتلال نحمله كل عيوبنا، ونلصق به كل وجوه نقصنا، فنسند إليه جهلنا وفقرنا وانحلالنا، وكنا نزهد في الإصلاح مدعين أنه مرتطم آخر الأمر بالاحتلال، وأن الأجنبي أس الفساد وعدو كل إصلاح، فاليوم زال الاحتلال وبعد عن الطريق كل ما كنا نقول إنه العقبة الكأداء. فهل نتمشى اليوم مع منطقنا فنبذل كل جهد للإصلاح، ولا ندخر وسعا لمعالجة الآلام وتضميد الجروح وتقوية الأمة في كل نواحيها؟ •••

لقد تم الفصل الأول من الرواية وبدأ الفصل الثاني، وفي يدنا أن نكتبه جميلا يعجب الناظرين، أو رديئا يسوء القارئين والسامعين، ولم تنته الرواية بعد، ففي إمكاننا أن تكون سارة وأن تكون محزنة، فهيا إلى المسرح ومثلوا خير الأدوار. •••

إنها أول تجربة لأمم غربية شرقية تدير أمور نفسها بعد الاحتلال، والعالم حولنا كله عيون يتطلع إلى أعمالنا، ولنا أصدقاء يضعون أيديهم على قلوبهم خائفين لكن آملين، ولنا أعداء عز عليهم استقلالنا فهم مترصدون، ولو أتيحت لهم الفرصة يدسون، ولهم أذناب أفسدوا ضمائرهم يلعبون ويدعون الإصلاح وهم المفسدون وإذ كانت أول تجربة فسيكون الحكم لكم أو عليكم حكما لأمم الشرق كلها أو عليها «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». •••

غفر الله لحكامنا السابقين، فقد مهدوا للاحتلال بسوء صنيعهم، فحملونا أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، ولا بد من سواعد قوية ترفع هذه الأثقال، وترميها في البحار لا إلى رجوع. •••

لقد قطع الغرب شوطا بعيدا في العلم والاقتصاد والصناعة، وسار أول أمره سير الطفل يدرج فيقع فينهض حتى اكتمل شابا، وكان خطؤه مقبولا منه، إذ كان وحده هو الذي يسير سير الإنسان. أما نحن اليوم فلا يقبل منا السير البطيء، ولا السير المتعثر، ولا السير المتخلف، وستقاس أعمالنا بمقياس الإنسان المتحضر على آخر طراز، العالم على أبعد مدى، السياسي الذي امتلأ حنكة، الاقتصادي الذي وزن المادة بميزان الصيرفي، وليس ينفع سير الجمل بجانب السيارة، ولا الجري مع الطيارة، ولا نسيج اليد بجانب نسيج الكهرباء. ولا سير المركب البطيء بشراع الهواء. فإما حياة الأحياء وإما الفناء، وما أشقه من مطلب. •••

إن الحكم الظالم الذي جرى طويلا علينا قد التهم الحب من جونا، فلا الحاكم يحب المحكوم ولا المحكوم يحب الحاكم، ولا الموظفون يحبون أصحاب الحاجات ولا العكس، ولا الطبقة الرفيعة تحب الطبقة الفقيرة ولا العكس، ولا المتعلم يعطف على الجاهل، ولا الجاهل يوقر العالم ثم هذا الحكم الجائر قسمنا شيعا وجعل كل فرد أمة وحده. إن عطف فإنما يعطف على أسرته وأقاربه ليس غير؛ فمن لنا بعد الاستقلال بقوم يبذرون بذور الحب حتى تنمو وتتفرع وتملأ الجو، فيحل التعاون محل التنافر، والعطف محل الخطف، والإيثار محل الأثرة، إذ لا تصلح أمة إذا فقدت هذا الحب؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٩٤