تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كنا نهبا مقسما للأمم الغربية تستعمرنا وتحتلنا وتملأ بلادنا ثكنات, وجنودا وطائرات، واليوم وقد زال هذا المنظر البغيض أو كاد سنواجه دواعي الفرقة من جنس جديد، ستتقسمنا الدول بمبادئها، شيوعية تحارب ديموقراطية، وديموقراطية تحارب شيوعية، ودعاة يدعون لكل أمة غربية على أنها المثل الذي يجب أن يحتذى، والقدوة التي يجب أن تقلد، وستكون الحرب عنيفة بين دعاة الرجعية ودعاة التجديد؛ الأولون ينظرون إلى الخلف، ويستغلون مشاعر الشعب باسم الدين والمحافظة على الأخلاق، والآخرون ينظرون إلى الأمام ويستغلون العقل والتفكير ومسايرة العالم، فيقسمون الأمة إلى معسكرين، ولا بأس من ذلك إذا اقتصرت الحرب على الجدل والإقناع، ولكن الويل لنا إذا خرجت عن هذه الدائرة، وستتسابق الأمم في احتلالنا اقتصاديا، والاقتصاد فن لم نحذقه، وعلم لم نتقنه، وثرواتنا لم ندرسها ولم نحسن استغلالها، وفتحنا عيوننا فوجدنا أهمها في يد غيرنا. فكم يقتضي ذلك من الجهد حتى لا تتوزعنا المبادئ المتناقضة توزعا حادا يمزق وحدتنا، وحتى نفهم مصادر ثروتنا كما فهمها غيرنا، ونحتلها لأنفسنا كما احتلها غيرنا لأنفسهم، ونستخدمها في مصانعنا وأعمالنا فنمحو بها فقر الفقير وذلة البائس والشعور بالنقص؟ •••

أما بعد فلي كلمة للشعب وكلمة للحكام.

فأما كلمتي للشعب:

فهي أن يغيروا نظرتهم إلى الحاكم. قد كانوا معذروين أن ينظروا إليه نظرة الطائر للصائد، إذ كان حاكمهم ليس منهم أو أداة في يد غيرهم، أما اليوم فحاكمهم منهم، وليس يستطيع الحكم إلا بهم، والتمتع بثقتهم، كونوا أحرارا ولكن تعلموا كيف تستخدمون الحرية، وهو درس شاق عسير، وخاصة بعد أن احتملت الأمة من الاستبداد ما احتملت، وذاقت من الضغط والعسف ما ذاقت، وأخطر ما فيه أن الأمة في مثل هذه الظروف تلتفت إلى حقوقها ولا تتذكر واجبها، وتطلب من حاكمها أن يكون نبيا معصوما، ولا تتطلب من نفسها أن تكون صحابة طائعين.

إن لكم الحق كل الحق أن تطالبوا حكومتكم بالإصلاح في كل مرافق الحياة، ولكن في حدود المعقول والممكن. ولكم الحق كل الحق أن تنقدوا ولكن على أن يكون النقد نقدا بانيا لا نقدا هادما. اذكروا دائما أن الحاكم في أول حمله للتبعة يخطئ، ولكن تقبلوا خطأه بصدر رحب ونقد مشبع بالعطف، ومكنوه من أن يصلح خطأه، ومهدوا له سبيل الاستقرار حتى يتوطد الحكم وتستقر الأسس، فبعض الخطأ مع الاستقرار خير من نشدان الكمال مع التغير المستمر، وغاروا عليه كما تغارون على مصالحكم، واحرصوا على أن يكون الحكم على أيديكم أحسن من الحكم على يد غيركم، وأن تكونوا أطوع للحاكم من أنفسكم من الحاكم يفرض عليكم، وقدروا ما يواجه من مشاكل أشرنا إلى بعضها، فلا تثقلوا كاهله بما تحدثون من مشاكل يمكن تأجيلها.

وأما كلمتي للحكام:

فهي أن يمتلئوا عقيدة بأن الحكم تكليف لا تشريف، وأداء واجب لا تحصيل مغنم، وأنهم من الشعب وللشعب وبالشعب، وأنهم قائدوه لا ناهبوه، وهادوه لا مضللوه، وموجهوه لا تابعوه.

إنكم خدام الشعب لا آلهته، وقد حكمتم لنفعه لا استغلاله، وأقمتم على مصالحه جميعه لا مصالح أسركم ولا حزبكم ولا أتباعكم، فكل الأمة حزبكم وأتباعكم، والحكومة الصالحة هي التي تعرف الكفايات حيث كانت، وتستغلها للخير من غير أي اعتبار.

ضعوا قوانين العدالة وقدسوها والتزموا السير عليها، فما أسرع الفوضى إلى أمة تتلاعب بقوانينها، وتخضع لشهواتها لا قانونها.

إن الحكم فن دقيق، فاجتهدوا أن تجيدوه، وهو علم وفطنة فتزودوا منهما.

من أهم أسسه حفظ التوازن بين القوى المتنافرة في الأمة، وتوجيهها كلها للمصلحة العامة، ومن أهم أسسه إشعار الأمة بقوة حكومتها وثبات مركزها وشدتها إذا اقتضى الحال، وبتها السريع لا ترددها، وإلا سقطت من أعين الشعب وسادت فيه الفوضى. ومن أهم أسسه العناية بآمال الأمة الأدبية كالعناية بمنافعها المادية، ثم الحذر كل الحذر من الزعماء الطامعين في الحكم، الذين يلونون شهوتهم بلون المصلحة العامة، فيقسمون الأمة ويفرقونها، فتذهب قوتها وتتحول إلى قوى متشادة يذهب بعضها بعضا، ينصرفون إلى وضع العراقيل للحكومة وتنصرف الحكومة لإبطال دسائسهم، ثم تضيع مصالح الأمة بين هؤلاء وهؤلاء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٩٥