وقامت المرأة وكان كل شيء فيها هرما إلا لسانها، فقد كان صبيا، وبدأت تثير الشكوك حول سنها، فقد اعترفت أنها حضرت العيد السابق، ولكنها لم تتجاوز الستين إلا قليلا، فكيف يكون بين العيدين مئة عام؟ لا بد أن يكون الحاسبون أخطأوا في الحساب، أو أن عدد أيام السنة في نظرهم نصف عددها عند الناس أو ... أو ... وأفاضت في هذا القول ما شاء لها لسانها، ثم انتقلت إلى ما كان من جمالها أيام شبابها فقالت: «رحم الله شبابي، لقد كنت روضة الحسن وربيع الزمان، قوامي غصن البان، وخدي التفاح وصدري الرمان، منبع السحر من طرفي. وملقط الورد من خدي، ومنبت الدر في فمي، كم لعبت بالألباب، وكم كان لي من صرعى الشباب! كنت في غبطة شاملة، ومسرة كاملة، والشباب حولي باله كاسف، وقلبه واجف، ولي في الغرام فصول طوال، لو حدثتكم عنها بتفصيلها لحل العيد الثالث ولم أبلغ غايتها، وكنت مصدر البدع، كل عام أخرج على الشواب بملابسي وزينة شعري وجمال حليتي، فتكون الحكم الفصل في الزينة والجمال، تقلد كل عام، وكانت مائدتي ... وكان بيتنا ... وكان أبي ... وكانت أمي ...»
وما زالت تبدي وتعيد في هذه الموضوعات حتى أشار إليها الرئيس فسكتت. •••
وقام خطيب اليوم فقال: إن الحياة مجموعة من الأعداد محدودة، تنقص كل يوم عددا ولا بد من النهاية، وخير الأيام أملؤها بالخير، وما من شيء يمر أمام أعيننا إلا وفيه موعظة، وكفى بكبر السن عبرة. الخلود في الدنيا لا يؤمل، والفناء متيقن، والهرم يعيش بالذكرى، ولا أسعد من ذكرى العمل الصالح. لقد ذهب الدهر بكل من ولدته الأمهات من ذكور وإناث منذ مئة عام ولم يبق إلا هذان، وطوي فيما طوي السرور والحزن، والنعيم والبؤس، والظالم والعادل، والحاكم والمحكوم، ولم يبق من أعمالهم إلا آثارها، فطوبى لمن أحسن، وويل لمن أساء، لو فكر كل الناس في هذا المآل ما كان طاغية ولا فاسد ولا داعر ولا معتد أثيم، ولا فخور بالمال والبنين، ولعاش الناس أسعد بالا، وأرغد حالا.
إن سلامة الخلق مع ضعف الدنيا خير من سلامة الدنيا مع ضعف الخلق، وإن الأيام أربعة: يوم مفقود وهو ما فاتك وقد فرطت فيه، ويوم معدود وهو ما مضى وقد ملئ بعمل الخير، ويوم مشهود وهو يومك الحاضر، فاجتهد أن تتزود فيه، ويوم مورود وهو غدك الذي لا تدري هل هو من أيامك أم لا.
قد أفلح من ذكر هذا اليوم وخاب من نسيه.
انصرفوا رحمكم الله.
فسالت لهذه الكلمات العبرات، وتدفقت الصدقات، وارعوى الضالون، وكثر المتعظون.
| عبء الاستقلال
مهداة إلى سوريا ولبنان
صدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إذ يقول عقب غزوة غزاها: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» يعني بالجهاد الأصغر جهاد العدو، وبالجهاد الأكبر جهاد النفس وهواها.
جميل أن تقام الأفراح, والليالي الملاح، لنيل الاستقلال، فإنه أمل تحقق وجهاد توج بالنصر، وثمن لدماء عزيزة سفكت، ونفوس شردت، وأموال صودرت، ودنيا خربت، ومصالح عطلت، ولكن ماذا بعد؟
أعباء ثقال تنوء بها العصبة أولو القوة.
لقد خلف الاحتلال الأجنبي ديونا تثقل الظهور، ومغارم تقض المضاجع، وقيودا تعوق الحركة، فلا بد من همم جبارة تسدد الديون، وعناء مضن يمهد للراحة، وأعمال عبقرية تكسر القيود.
وقف الاحتلال في سبيل تعليمنا الصحيح فجهلنا، وفي مواردنا الاقتصادية فافتقرنا، وفي تكوين أخلاقنا فانحللنا، وفي حسن إدارتنا فتواكلنا، وقرب بعضنا وأبعد بعضنا فاختصمنا، ورمى في سياسته إلى نفع قومه فداسنا، وإلى استغلالنا فاستنزف دماءنا وامتص أرواحنا. •••
واليوم نلتفت بعد الاستقلال ... فنرى عقل الأمة يجب أن يعلم، ومال الأمة يجب أن يخلق، وأخلاق الأمة يجب أن تبنى، وإدارة الأمة يجب أن تنقى، وخصومتنا يجب أن تقتلع من جذورها، وألفتنا يجب أن تؤسس من جديد، وعزتنا يجب أن تسترجع، ودماءنا يجب أن تجري في عروقنا حارة طاهرة، وليس ذلك كله باليسير.