تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودليل ثالث وهو أن المتصوفة من جميع الأديان في جميع الأزمان وصلوا عن طريق الرياضة إلى نتائج متماثلة، ولو كانت مجرد خيالات لكان لكل إنسان خياله الخاص به.

إن الزاوية التي تذكرها وينظر الناس منها إلى العالم هي زاوية العوام وأشباههم، ولذلك يأنف من النظر منها حتى علماء المادة أنفسهم، ويجتهدون أن يعمقوا حتى يروا العالم كله وحدة من خلايا متشابهة، كما يجتهدون أن يسموا حتى يدركوا المادة غير متأثرة بعامل الزمان والمكان، وقد يلتقون في آخر طريقهم بالتصوف في بعض الطريق.

وأخذ يهجم على فكرة أخرى ثم سكت فجأة.

فسألته: ما باله؟

قال: تلك شقشقة هدرت ثم قرت!

وافترقنا على موعد.

4

وقال الصوفي: «إن الصوفي الحق هو نموذج الإنسانية، أو الإنسانية في أعلى مقامها، نسبته إلى سائر الناس كنسبة الإنسان إلى القرد، هو ينمو داخليا وينمو روحيا، على حين أن المدنية تنمو خارجيا وتنمو ماديا، والعلوم - ومنها علوم الاجتماع - إنما تبحث في المادة الخارجية والإنسان الخارجي، لا في داخله ولا في روحه، ونظريات النشوء والارتقاء كلها تدور حول نشوء المادة وارتقائها، حتى علم النفس بعيد عن الروح، والإنسان عالم صغير، كل ما في العالم فيه، فيه المادة الجامدة، فيه النبات، فيه الحيوان، فيه الإنسان، فيه الله وكلما رقيت نفسه روحيا اتسعت جوانبها فرغب فيما لم تستطعه مادته ولم يستطعه جسمه ولم يستطعه عمره، وود أن يتجاوز حدود الزمان والمكان، وسبح بخياله فيما وراء الحدود، وتعدى بعواطفه ومشاعره حواجز العقل، ويبلغ به الأمر أن يشعر بأن له نفسين، نفسا تعيش عيشة حيوانية فيها المادة وفيها الزمان والمكان، ونفسا تتصل بعالم آخر روحاني ليس فيه زمان ولا مكان ولا مادة، والنفسان تتنازعان الغلبة والسيطرة، فإذا غلبت روحه العليا كان كالزهرة ذابت فيها البذرة، وإذا غلبت نفسه السفلى كان كالبذرة لم تزهر ولا تؤمن بأن غيرها يزهر، ولذلك لم يؤمن أكثر الناس بالصوفية، وهم في الناس أقلية لا يعرفون، والنزاع بين الفقهاء والصوفية وبين علماء المادة والروحانية من هذا القبيل، وكيف يدرك من في الأرض من أبعد في السماء؟

هو لجلاء نفسه وقوة روحه كأنه قد ثبتت له عينان في قلبه يرى بهما ما لا يراه الناس، ويؤمن بهما بما ينكره الناس وبما كان ينكر هو من قبل، بل هو يدرك معاني جديدة وروابط بين الأشياء جديدة، ويقوم الأشياء والأشخاص والمعاني قيما جديدة، فقد يستعظم ما يحتقر الناس، وقد يحتقر ما يستعظم الناس، جاه الدنيا عنده لا شيء، والغلبة والشهرة والسيطرة والمال لا شيء، والحب والإخلاص والصفاء والطهارة والفتوة كل شيء.

وهو غالبا لا ينجح أن يكون سياسيا كبيرا أو إداريا خطيرا؛ لأنه لا يقيس الأمور بمقياس الناس، ولا يلتقي في عقليته بعقلية الناس، ولا يخيف الناس ولا يرهبهم، ولا يرتضي أن يقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، ولذلك نجح «معاوية» حيث لم ينجح «علي».

هو يتجه إلى مشاعره ينميها ويرقيها ويرهفها كما يتجه العالم إلى عقله يرقيه وينميه، ويسلط نظره إلى نفسه كما يسلط العالم نظره إلى الخارج، فإذا فعل ذلك كله رأى في نفسه مملكة واسعة الأرجاء، انطبع فيها كل العالم كما تنطبع الصورة في المرآة المجلوة.

ورياضته لنفسه تفعل الأعاجيب وتخلق منه شخصا آخر غير الذي كان عليه من قبل، وفي التلمود قصة طريفة هذا مغزاها، خلاصتها أن العالم أخذه العجب لما طلع موسى عليه بسفر الخروج وأعجب به أيما إعجاب، وصار ذكر موسى على كل لسان، حتى وصلت شهرته والإعجاب به إلى ملك العرب، وكان ملكا عاقلا حكيما، فاستدعى أحسن رسام عنده وأمره أن يذهب إلى موسى ويصوره أدق تصوير وأحكمه، فلما فعل وأتى بالصورة جمع أشهر حكمائه وأعقلهم وأمرهم أن يستخرجوا من هذه الصورة ما تدل عليه من أخلاق وعادات وميول وأن يبينوا له السبب فيما أودعه هذا الرجل من قوة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٩٠