والناس معذورون في إنكارهم هذا؛ لأنه شيء لم يعتادوه في الحياة المألوفة، والصوفية معذورون؛ لأنهم يصفون ما يرون.
وفي هذا الباب مهرجون ونصابون ومزيفون، كما هو الشأن في عالم المعقولات في حياتنا العادية، ففي حياتنا من يهرج في الخطابة ويبعد عن المنطق الصحيح، ومن يوهمك أنه مخلص وليس بمخلص، ومن يلبس باطله ثوب الحق ونحو ذلك، فكذلك في عالم الروحانيات، صادق وكاذب ومحق ومزيف، بل ربما كان التزييف في هذا الباب أكثر؛ لأن الحياة المادية قد تنضبط بالمنطق، أما هذه فمرجعها الذوق والشعور، وهو من الصعب ضبطه. فما ترى من مظاهر أرباب الطرق كالطبل والزمر واللعب بالذكر والمراسيم الصوفية كلها ليست من التصوف الحق في شيء، وإنما هي صوفية مزيفة، والمتصوف الحق قد يباشر أمور الدنيا ويتصرف في الحياة بالتجارة أو الصناعة أو نحوها، وليس يشعر بروحانيته إلا خاصته، ومن هم على نمطه، وحتى إذا ذكروا الله ذكروه بقلوبهم، ولم يحركوا بذكره لسانهم.
والصوفي الحق رجل تيقظ شعوره فاتسعت آفاقه وتكسرت حدوده يرتفع فوق تفاصيل الحياة الدنيا كما يرتفع الطائر في طائرته، فيضعف شعوره بشخصيته ويذوب في العالم الذي يسبح فيه، ويسبح في هذا الأفق الشاعر والفنان والصوفي والنبي على اختلاف في منازعهم ومداركهم وإلهامهم ووحيهم وحقيقة رسالتهم. إنهم جميعا يدركون العالم وراء حدود مادته وأشكاله. إنهم بعواطفهم المرهفة يرون أن الإدراك الحسي والعقلي لا قيمة له بجانب إدراك الشعور العاطفي إنهم يقرءون في النجوم والسماء والبحار والأنهار والأشجار ما لا يقرأ الناس، ويدركون في الأشياء كلها وحدة تعز عن الوصف، إنهم يرون المظاهر أمواجا فوق سطح البحر، أو أوراقا تورق وتسقط والشجرة باقية، إنهم يذيبون أنفسهم في مصدرها.
وإذا كان جمهرة الناس يدركون الله حاكما مسيطرا على العالم يضرعون إليه في قضاء حوائجهم فالصوفي يراه القوة التي ينبض بها قلب الإنسان وقلب العالم، ويتحول بها غير المنظور إلى منظور، ولذلك يحول الصوفي عينه من الجزئيات والأشخاص والأفراد إلى المنبع الواحد الذي تفرع إلى مظاهر مختلفة.
وهنا أفاض محدثي في ذكر ما يجده الصوفي من وحدة الوجود والحب الإلهي وما إلى ذلك، وأنه ينتهي به الأمر إلى الهيام بالعالم غير المنظور وحقارة المنظور.
قاطعته بقولي: إني أومن بأن الرياضة الصوفية تصل بصاحبها إلى رؤية العالم من زاوية غير الزاوية التي اعتاد الناس الرؤية منها. ولست أشك في صدق كبار الصوفية أمثال ابن العربي وابن الفارض والغزالي وغيرهم وأمثالهم من متصوفة الأديان الأخرى، وأنهم حقيقة يصفون ما يشاهدون، ولكن هل هم يرون الحقيقة، أو أن رياضتهم النفسية وكثرة مجاهدتهم للنفس من جوع وصيام وعزلة ورهبانية تجعل نفوسهم غير طبيعية، فيرون ما لا وجود له، هل هم المحقون والإنسان العادي مخطئ أو هم المخطئون والإنسان العادي مصيب؟ إذا كنت أرى الأشياء بعيني المجردة ويأتي آخر فيلبس منظارا أزرق أو أصفر فيرى العالم كله من خلال منظاره أزرق أو أصفر ثم يصف ما يرى فهو صادق، ولكن هل لون العالم الذي سببه المنظار هو الحق؟ هل الصوفية لبسوا منظارا فأوقعهم في الخطأ أو أن عيني المجردة هي المخطئة وأنهم لم يلبسوا منظارا، وإنما كان على عيني وأعينهم غشاوة فأزالوها هم عن أعينهم؟ هل الزاوية التي ينظر منها الصوفية إلى الأشياء هي الزاوية الصحيحة أو الزاوية المنحرفة؟
تبسم من قولي وسكت برهة ثم قال: إن الصوفي لم يضع على عينيه منظارا ملونا يرى به الأشياء ملونة بلونه. إنما هو أمسك مكروسكوبا يرى به الأشياء على دقتها. وما قيمة ثقتك بعينك المجردة؟ إنها تريك الشمس في حجم الرغيف، وتريك النجم في حجم الكرة، وتريك الشيء أملس وهو مملوء بالتجاعيد، إن علمكم المادي يهزأ بالحواس ويؤمن بنقصها ويخترع كل يوم ما يكمل هذا النقص، وإن بصيرتنا التي نصل إلى جلائها من طريق الرياضة خير ألف مرة من بصركم في كشف الحق. وآية ذلك أن حواسكم وعلمكم المبني على الحواس لم يستطع أن يفسر العالم الذي نعيش فيه تفسيرا شاملا، بل عجز عن تفسير الحياة والموت، وعجز عن بيان علاقة المخ بالفكر، وعجز عن تفسير ظواهر لا تجري على المألوف، فلما تصوفنا استطعنا أن نكشف ببصيرتنا ما عجز عنه العلم. وأمر آخر وهو أن كثيرا من خيار المتصوفة جمعوا بين العلم والتصوف، وبين لذة العقل ولذة الكشف، فلما وازنوا بين النتيجتين آثروا الكشف على العلم هم لم يكفروا بالعلم ورأوا لذته وقيمته، ولكن رأوا الكشف وجلاء البصيرة أعلى منه شأنا؛ ومثل ذلك مثل من جرب اللذة الوضيعة واللذة الرفيعة ثم آثر الثانية على الأولى، أليس هذا دليلا على سمو الثانية، وعلى أن حكم مجربي الأمرين خير من حكم مجربي أمر واحد.