تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فحص هؤلاء الحكماء الصورة وأمعنوا في فحصها، ثم قالوا إن هذه الصورة لإنسان شديد القسوة، متكبر، طموع، طموح، تتملكه الرغبة في السيطرة وحب القوة، فيه كثير من الرذائل والنقائص.

عجب الملك من ذلك وقال: كيف يصدر عمل جليل كسفر الخروج من رجل صفاته ما ذكرتم؟ فإما أن يكون المصور أخطأ في التصوير، وإما أن يكون الحكماء أخطأوا في الاستنتاج.

قال المصور: والله ما صورت إلا ما رأيت في دقة وأمانة. وقال الحكماء: والله ما ذكرنا إلا ما تدل عليه الصورة في حذق وإحكام.

وأراد الملك أن يتحقق مما قام من خلاف بين المصور والحكماء، فسافر إلى حيث يقيم، فلما وقع نظره على موسى رأى أن مصوره أصاب في التصوير ورسمه في دقة فائقة. ولما دخل عليه ملك العرب سلم عليه في إعظام وخشوع، ثم ذكر له ما حدث من المصور والحكماء وما حيره من أمرهم، فإنه كان قد ظن أن المصور أخطأ التصوير؛ لأنه عرف في حكمائه صدق الفراسة وقوة الملاحظة ودقة النظر، والآن وقد شاهد موسى أدرك صدق المصور وخطأ الحكماء.

قال موسى: «كلا، إن كلا من المصور والحكماء مصيب، وإن النقائص التي ذكرها الحكماء كانت في بالطبيعة، وربما كانت أوضح وأعنف مما ذكروا، ولكني جاهدت نفسي وهاجمت رذائلي بكل ما وسعني حتى أخضعتها وغلبتها، وفي هذا كل قيمتي وسر قوتي».

وهنالك العكس، ممن خلقوا وعندهم استعداد للروحانية ثم أضاعوه بانغماسهم الشديد في المادية. •••

والصوفي لا يزال في رياضته وأحواله ومقاماته حتى يكاد ينعزل بنفسه عن العالم الخارجي؛ لأنه يشعر بأنه فوقه، إنما هو في هيام للاتصال بما هو فوق الأشياء بالله ثم هو يرى الله في كل شيء وفي نفسه، ثم يصل به الأمر إلى الشعور بوحدة كل ذلك؛ وهذا مقام لا يدركه العلم ولا العقل، إنما ينال بالمشاعر والروح، وهو شيء كالنور يقذف به في النفس فتشعر بما تشعر به من وحدة الكون، ويصحب هذا الشعور شعور بالطمأنينة والرحمة والقوة والحب لكل شيء والحب لله؛ وهنا يقدر العالم تقديرا أبديا، ويكسبه هذا قوة احتمال وصبرا على تحمل المشاق، وهو يدرك إذ ذاك سر الحياة وغرضها، ويطمئن إلى ذلك، على حين أن العالم لا يزال في حيرة من أمر الحياة، سرها وغرضها.

وهنا تدفق في كلام لم أفهمه، حتى إذا فرغ منه قلت: هل ترى من الخير أن يسود التصوف وتسود الروحانية العالم؟ ألا ترى أن انتشار التصوف في أمة يجعلها بعيدة عن العالم الواقعي ويجعلها متخلفة عن الأمم الأخرى في دنيا الواقع؟ أليس التصوف يجعل الإنسان حملا في وسط ذئاب؟ إني أفهم أن يكون العالم كله محكوما بالروحانيات، إذن يسود السلام وتسود الطمأنينة. أما أن يكون في العالم زاهد وجشع، ومجرد من السلاح ومسلح، فإن الزاهد ومن ترك السلاح يكون مأكولا للجشع المسلح. وهذا ما كان من الشرق والغرب، فإذا أضيف إلى ذلك أن المتصوف الحق الذي وصفت قليل نادر، والكثير الغالب مشعوذ مخرف، وانتشار هذا يجعل الأمة أيضا مشعوذة مخرفة، وإذ ذاك لا تكون في الأمة روحانية لا مادية، وتكون الأمة لا وصلت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة كما هو حال الشرق من عهد قريب، هل بعد هذا كله تنصح بالتصوف وتدعو إليه؟

قال: إني لم أدع كل الناس إلى التصوف ولو دعوتهم ما استجابوا، فقد خلق الله أصنافا من الناس كما خلق الجماد والنبات والحيوان والإنسان؛ وكما أن في بعض الناس استعدادا للعلم؛ وفي بعضهم استعدادا للفن، وهكذا، فهناك استعداد خاص للتصوف لا تجده إلا في القليل، وفي وجوههم برهان دائم على فساد المادية وطغيانها وشقائها، ولفت مستمر أن يخجلوا من أنفسهم للماديين ولا يمعنوا في طغيانهم، وكل أمة يجب أن تكون كالفرقة الموسيقية الكاملة، فيها العود، وفيها القانون، وفيها الكمان، وفيها الطبل، أو كنغمات «البيان» فيها العالي والسافل، وأعلى النغمات وأسماها هي الروحانية. فلا بد في الأمة من العالم والفنان والسياسي والإداري والحربي والصوفي. وفساد الشرق لم ينشأ من التصوف، ولكن من دعوى التصوف حينا، ومن عدم استكمال بقية الأدوات حينا، ومن مادية الغرب أحيانا. ما أسعد العالم لو كان كله روحانيا! ولكن ليس ذلك في الإمكان، فيجب أن تتنوع الكفايات، والناس معادن، ذهب وفضة وحديد ونحاس، وإنك لا تستطيع أن تجعل من الحديد ذهبا، ولكنك تستطيع أن تجعله نافعا خاليا من الصدأ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٩١