خذ لذلك مثلا قصة آدم وحواء، إن خلق آدم وحواء كان مرحلة من مراحل عمل المصنع، لقد ظل المصنع يعمل من قديم ويحسن ما يصنع، وكان يصنع الخيط الغليظ، ثم تقدم وتقدم فصنع الخيط الدقيق، وكل ما يصنع جميل متقن، ولكنه في صنع الإنسان مبدع متفنن، وكل نوع مما يصنع يمثل قانونا عالميا ولذلك يبقى مع بقاء الأكمل.
وكان الإنسان أول خريج للمصنع جرب فأخطأ فاستفاد من الخطأ، وهو أول من اتصل بصاحب المصنع واتصل بجميع منتجاته، يعرف خصائصها ويسميها بأسمائها، إنه أبى أن يعيش عيشة من قبله، وفضل أن يخطئ ويرقى بخطئه على أن يعيش من غير خطأ ومن غير معرفة، فأكل من شجرة المعرفة، فهبط من سعادة العيش بالغريزة إلى شقاء العيش بالعقل، ولكن كان هبوطه وسيلة لسموه، وكذلك نفهم من قصة قابيل وهابيل قتال الأخوة في الإنسانية، ومن قصة نوح فساد الناس وفناءهم لعدم صلاحيتهم للحياة، ونجاة من يصلح لتأسيس جيل جديد على أسس جديدة، وهكذا. تاريخ الأنبياء وكبار المصلحين الروحانيين رقي متوال بالإنسانية. •••
وليست الأرض وما فيها من مصنوعات رقيت إلى الإنسان إلا ركنا صغيرا من أركان المصنع، اهتممنا به أكثر مما يلزم لأننا أجزاؤه، ولأنه متصل بنا ونحن متصلون به، فلو وسعنا نظرنا وشاهدنا أركان المصنع الأخرى، لأخذنا العجب كل العجب، ولكن مهما اختلفت منتجات المصنع صغرا وكبرا، وعظمة وضعة، ففيها سمات الوحدة و«ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت».
والروحانية إدراك سر هذا المصنع، والاتصال بصاحبه والشوق إلى رؤيته، وفي كل إنسان نزعة إلى هذا؛ لأن فيه قبسا من روح صاحب المصنع، وإنما يطفئها غلبة النزعات الأخرى، والمدنية التي يعيش فيها الإنسان إنما تفسد وتنحط وتفنى؛ لأنها لا تنسجم ونزعاته المختلفة. والمدنية الصالحة التي يقدر لها البقاء والنمو هي المدنية التي تتعادل فيها مقومات الروح ومقومات المادة معا حتى تتجاوب وطبائع الإنسان. •••
وإلى هنا انقطع حديث الصوفي، وقد سمعته في شوق، ونقلته في أمانة، وتفرقنا على ميعاد.
3
قال الصوفي: «إن أساس التصوف بل أساس الديانات كلها أن وراء العالم المنظور عالما آخر غير منظور، وأن العالم غير المنظور يختلف في صفاته عن العالم المنظور، فهو لا حجم له ولا زمان ولا مكان، وأقرب مثل له آراؤنا وأفكارنا وذكرياتنا، فنستطيع أن نفكر ما لا عدد له من الأفكار من غير أن يكون لها حيز».
وكثير من تعاليم الدين لا يمكن الوصول إليها من طريق العلم ولا الفلسفة، كالحياة بعد الموت، فليست وسائل العلم ولا الفلسفة صالحة للوصول إلى هذه الحقيقة نفيا أو إثباتا؛ لأنها ليست من جنس مادته، ولا من جنس ما يبحث فيه أو يصل إليه.
إن إدراك هذا العالم الروحي لا بد أن ينظر إليه من زاوية غير زاوية المنظور؛ لأن طبيعته ليست كطبيعة المنظور، وما قيل من وصف الجنة والنار والحياة الآخرة لم يعبر تعبيرا تاما عنه؛ لأن أكثر النفوس لا تستطيع فهم المجردات، ولأن اللغة لم توضع إلا لشئون الحياة المنظورة، فاضطر المعبرون عنها أن يلجأوا إلى ألفاظ الدنيا وتعبيرات الدنيا على طريق المجاز والحياة الأخرى ليست كهذه الحياة في خضوعها للزمن، ولا شأن لها بطلوع الشمس وغروبها، وهو أهم عامل في الزمان، فإذا جردت الحياة من الزمان كان طابعها مخالفا كل المخالفة لحياة الدنيا وشئونها.
إذن فالحياة الروحية لا بد أن تدرك بأساليب أخرى. وأهم وسيلة لها هي الرياضة. والغاية من هذه الرياضة تهيئة الشعور للاتصال بهذا العالم الروحي كما يعد الشخص للتنويم المغناطيسي، وما الشعائر من صلاة وصيام إلا أنواع من هذه الرياضة، وما فعل رسول الله من التعبد في غار حراء قبل البعثة كان من هذا القبيل، وكذلك استحضار الله في القلب ودوام ذكره، ونحو ذلك كلها وسائل لإعداد هذا الشعور، وعند بعض الأفراد ذوي الاستعداد تسفر هذه الرياضات عن نتائج غريبة. فيرى الدنيا غير ما ترى في العادة كأن ينعدم الفرق بين ذاته وغيره فلا ذاتية ولا غيرية، وتنعدم الفروق بين الأشياء، فلا شيء مستقل بنفسه، كالعالم يقرأ العالم كله خلية متكررة، وهو شيء غريب في الحياة العادية، ولكنه أمر مألوف في الحياة الصوفية. وعلى الجملة فهو يرى العالم من زاوية غير الزاوية التي اعتاد الناس أن ينظروا منها. فإذا هو أمعن في هذه الرياضة استغرق في شبه غيبوبة، وكان في شبه حلم، ورأى كأنه انغمس في نور واتحد به، ورأى وسمع ما لم يستطع وصفه إلا عن طريق الرمز، وإنما يفهم رمزه من ذاق مثل ذوقه، وهذا هو ما كان من أمثال ابن العربي وابن الفارض وغيرهما من المتصوفة في كل أمة وكل دين.