تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العبرة في تقويم المدنية لا بالمظاهر ولكن بالدوافع، فإذا كانت المدنية تنشر الفزع والخوف والتناحر والتسابق على الشهوات، فمدنية بربرية مهما زينت بالراديو والتلغراف والتلفون وكل أنواع المخترعات.

وفي الصراع المستمر بين المادية والروحانية لا تزال تتغلب المادية، أو بعبارة أخرى الوحشية؛ لأن غرائز الإنسان ترضيها الوحشية، والروحانية تحتاج إلى رياضة شاقة لا يستطيعها الكثير من الناس، ولأن المدنيات التي أسست إلى الآن أسست على تقوية الغرائز الوحشية، وكلما أمعنت في ذلك كانت أرقى، وحتى إذا نشأت مدنية روحانية بعض الوقت كدعوة المسيح في أول أمرها، والإسلام في أول عهده، فسرعان ما تنقلب ملكا عضوضا، ويحتضن الجبابرة الدعوة الدينية الروحية لخدمة مطامعهم المادية، فتنقلب المدنية إلى مدنية وحشية، وتنقلب الدعوة إلى عدم الطبقات دعوة إلى نظام الطبقات، كما يستخدمون العلم والفن والأدب لخدمة هذه الغرائز الوحشية، فتضعف الدعوة الروحانية شيئا فشيئا، ولا تبقى إلا في نفوس الشواذ النوادر. فالعلم أكثر ما يزهر في الحرب دون السلم، والأدب أكثر ما يزهر في إلهاب الغرائز الجنسية ونحو ذلك، أما العلم في خدمة السلم وفي خدمة الحقيقة، وأما الأدب في خدمة الروح فضعيف فاتر.

نتاج المدنية الحديثة إحياء الشهوات، ونشر الخوف والفزع في قلوب الخصماء، والمسابقة إلى حيازة القوة، وطلب اللذة من كل وجوهها، والجشع في المال؛ والنظر إلى اليوم لا إلى ما وراءه؛ وهذه كلها ليست من الروح في شيء، وكل المخترعات إنما هي لخدمة غرض من هذه الأغراض التي ذكرناها لا لخدمة روح. أما الروحانية فسلام وحب وسمو وعمق في المشاعر وتقويم للحقيقة لا المظهر. •••

إن العالم كله في نظر الروحانية وحدة واحدة، صنع في مصنع واحد، أشرف عليه مهندس عظيم واحد، ليست المعامل والمصانع التي تراها في المدنية الحديثة مهما كبرت إلا لعب أطفال بجانب معمل ومصنع خالقنا العظيم، إن كل ما في الكون قد صنع في مصنع واحد، ولذلك اتحد تكوينه وإن اختلفت درجاته ومظاهره. إن بين الشمس العظيمة والخلية الصغيرة تشابها تاما في البناء، فليست الخلية إلا مجموعة كهارب تدور حول نواة كالشمس، كما تدور المجموعة الشمسية حول الشمس، بذلك قال العلم الحديث، وبذلك قال رجال التصوف من قديم، إن ما في العالم مما نسميه جمادا ونباتا وحيوانا ليس إلا نتاجا مختلفا لمصنع واحد وصانع واحد، كمصنع السكر يخرج أنواعا بعضها بدائي كالسكر المحبب الأصفر، وبعضها كامل الصفاء «كالسكر النبات»، أو كمصنع النسيج يخرج أشكالا وألوانا، وكلها على اختلاف قيمتها وأنواعها من خيط واحد أو قطن واحد. وكل ذرة في هذا الكون تدل على المصنع ومهندسه، وكل صغير من نتاجه معبر بشكل ما عن القانون العام لكل العالم، فدقق النظر تر العالم في النملة، وتر نظام الكون في النحلة. وكان أعجب ما أخرجه هذا المصنع هو الإنسان، ففيه كل خصائص الأطوار التي مر بها نتاج المصنع، مكملا بزيادة في كمية عقلية ورحانية

صنع الله الذي أتقن كل شيء ،

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى قطعة الصوف ينتجها المصنع مستقلة، كأنها كل شيء، أما نحن معاشر الصوفية فنرى المصنع والصانع في كل خيط، نرى الشجرة في الثمرة بل في الورقة، ونرى البحر في القطرة، ونرى الكل في الواحد والواحد في الكل، وكل شيء في كل شيء، فنحن نلف العالم في نظرة، وننفذ إلى السر في لفتة، ونقرأ على كل شيء بطاقة المصنع والصانع، ونرى في كل شيء رمزا.

ومن طول ما ألفنا الرموز كان كل ما نسمع وما نقرأ رمزا، وخاصة في الكتب الروحانية، في الكتب المقدسة؛ فالعامة يفهمون الآية على ظاهرها، ولكنا نفهمها رمزا، والعامة إن اشتركوا أو تقاربوا في فهم الظاهر، فالخاصة يختلفون في فهم الرمز حسب قوة استعدادهم لفهم الإشارة، وحسب ما يستولي عليهم من وجدان، وهذا هو ما نسميه «الأحوال» و«المقامات»، وإذا نحن سمعنا قصة لم نقف عند ألفاظها ومعانيها اللغوية إنما ننتقل إلى رمزها ومغزاها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨٧