لقد كانت أوامر الدين ربما آلمت وأتعبت، ولكن كان يخفف ألمها ومشقتها وربما يقلبها إلى لذة الاعتقاد بأنها أوامر من بيده ملكوت السموات والأرض، ومن يستطيع الجزاء، ومن يعلم خفايا النفوس وبواطن الأمور وخلجات القلوب. أما الآن فأوامر مؤلمة ومطالب شاقة ممن قد يخطئ في أوامره وقد يصيب، وليس بيده المقدرة على الجزاء على النيات والضمائر، وممن هو مثلنا له شهوات وأغراض.
كل هذا حير الإنسان لما فقد دينه وجعله معلقا بين السماء والأرض؛ فلا المصلحون الدنيويون أرضوه بتعاليمهم، ولا المصلحون الدينيون استبعدوا من الدين ما دخله من فساد.
لقد أصبح الناس بين قائل يقول: ليس في البيت كنز. وقائل: إن في البيت كنزا يفتح بالبخور والتعاويذ. وليس هذا ولا ذاك مما يدعو إلى اطمئنانهم، وهم ينتظرون من يهديهم إلى الكنز بما يتفق وعقليتهم وعواطفهم.
2
قال الصوفي: «إن تصوفنا معناه إدراك أو محاولة إدراك القوة الخفية في العالم، إدراك الله والروح عن طريق الوجدان»، وقد وجدت هذه النزعة الصوفية في كل الأزمان، وفي كل الأمم، وفي كل الأديان، ووصل أهلها إلى مبادئ متشابهة واكتشافات متماثلة، ليست من جنس ما يكتشف بالعقل أو بالمنطق، وإنما هي من جنس إلهام الشاعر والفنان، ولكن من نوع أرقى.
والنزعة إلى التصوف استعداد فطري عند بعض الأفراد ينمو بالمران؛ فكما أن هناك ذكيا وغبيا بالفطرة، وشاعرا أو غير شاعر، كذلك هناك متصوف وغير متصوف بالفطرة، وكما أن العقل وسيلة من وسائل المعرفة عن طريق المنطق، فالتصوف طريق من طرق المعرفة عن طريق الرياضة التي تؤدي إلى الكشف والإلهام.
لا يعبأ المتصوفة كثيرا بمظهر العالم إلا من ناحية دلالته على باطنه، إنما يعبئون بالحياة الباطنة التي تنتج الظاهر، إن ما نقرأ في التاريخ من قيام دول وسقوط دول وحروب وحالات اجتماعية واقتصادية ليست إلا تاريخ المظهر، أما تاريخ الباطن فهو التصوف، والفرق بينهما كالفرق بين من يرى أن أوراق الشجرة وجذعها هو كل شيء فيها، ولكن الورق يتجدد ويسقط، والشجرة باقية بجذورها الخفية وحياتها الباطنة؛ أو كالفرق بين من يرى أن البحر هو أمواجه، مع أن الموج ليس إلا سطحه.
إن الروحانية إنسانية داخل الإنسانية، وعالم داخل العالم، والعلاقة بينهما كالعلاقة بين العقل والبدن.
ولم يخل الله العالم من جماعة يدركون هذا السر ويتناقلونه، ويأخذ منهم خلف عن سلف، وتظهر تعاليمهم أحيانا في مظهر دين جديد، أو مذهب فلسفي جديد، أو نمط في التفكير جديد، وهم يسمون الثروة التي يصلون إليها «حكمة» تمييزا لها عن العلم والفلسفة. ولهم في الحياة أسلوب ومنزع ومسلك يخالف سائر الناس، كمسلك العبد الصالح مع موسى في سورة الكهف.
وهؤلاء الروحانيون يؤثرون في الأمم وفي المدنيات وإن لم يظهر بعضهم على مسرح الحياة، وإن لم يلفتوا نظر المؤرخين؛ فالأنبياء من آدم إلى محمد، وبوذا وزرادشت، وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون، وغيرهم ممن لا نعلمهم، أثروا في بناء المدنية أكثر مما أثر الماديون من القياصرة والملوك والجبابرة.
إن الروحانية كلها من واد واحد، إن اختلفت مذاهبها ودعاتها فإنما هو اختلاف في فهم من يفهمها ومستواهم، أو في الظروف المحيطة بهم أو نحو ذلك، أما الأساس فواحد، وأما المنبع فواحد؛ حتى ما يحيط بها أحيانا من تخريف إنما سببه أن كثيرا من الناس لا يستطيعون أن يفهموا الحقيقة إلا من طريق التخريف، وهذا لا يقدح في حقيقة أساسها. إن زعماء الروحانية كانوا يحاربون دائما الوحشية في الإنسان، وتاريخ الإنسانية صراع بين الوحشية والروحانية، وهذه الوحشية ليست مقصورة على الأمم المتوحشة، بل هي في أرقى مظاهر مدنيتنا الحديثة. إن الوحشية في الإنسان الأول كانت ضربا بالحجر أو بالهراوة، وهي في مدنيتنا الحديثة مدافع وطائرات وغواصات، وأخيرا قنابل ذرية تهلك الحرث والنسل. إن العنف كله ليس من الروحانية في شيء، سواء جاء باسم الدين أو المذهب الاجتماعي أو المدنية أو ما شئت من أسماء.