تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال العلم الحديث إن المادة عضوية أو غير عضوية مكونة من ذرات، وهذه الذرات في حركة مستمرة، تتجاذب وتتدافع وتتقارب وتتباعد، وكلها قد تكون في جسم واحد فكيف تبقى ولا تتصادم فتفنى، ومن ذا الذي يحفظها وينظم حركاتها هذا النظام العجيب؟ ومئة سيارة في ساحة تتجه اتجاهات متعاكسة لا يمكن أن تبقى من غير صدام وفناء، فكيف بالملايين؟

وهكذا آلاف من الأسئلة يقف عندها العلم، والعلماء أنفسهم أقدر على الإقرار بما لم يفهموا، فإذا تجاوزوا ظواهر ما في البيت عجزوا عن تفسيره، وكانت هذه حجة قوية للقائلين بأن في البيت أسرارا وكنوزا لا بد منها لتكميل تفسير حقيقة ما في البيت. وثمة شيء آخر، وهو أن الذين آمنوا بالكنز كانوا أسعد حالا وأهدأ بالا؛ لأن الإيمان به جاوب ناحية من نواحي نفوسهم فملأها وغذاها، أما الذين كفروا بهذا الكنز فقد شعروا بفراغ لم يملأه شيء ولا العلم، وشكوا في قيمة الحياة وقيمة الأخلاق، وهذا هو ما ساد في المدنية الغربية يوم ساد العلم وحده. لقد امتلأت حياة العالم بالبحث عن المادة، والمالي بالبحث عن المال، والصانع بالصناعة، ولكن هذا الفراغ في النفس الذي لا يملؤه إلا الدين كان موضع القلق والحيرة والاضطراب مهما نال الإنسان من مسرات الحياة، فالمسرات الواقعية إذا أصبحت رتيبة فقدت قوتها وزهد صاحبها فيها، وكلما عرض له عارض من تقدم في السن أو مرض أو وقت خلو أحس بهذا الفراغ يؤلمه، وهكذا كل شيء لا يتفق وطبيعة الإنسان.

لقد فشل العلم في نبوءته يوم تنبأ بأنه سيملك ناصية العالم، ويملأ حياة الناس سعادة، ويزيل منهم كل شقاء، ويجعل من الدنيا جنة كما يقول رجال الدين في جنة الآخرة. وظهر هذا الفشل في مظاهر شتى، في هروب بعض ذوي المشاعر الرقيقة من ضوضاء المدنية إلى الطبيعة، ومن سوء الواقع إلى جمال الخيال، بل وبعضهم من مدن الممدنين إلى قرى المتوحشين، وظهر في جشع الكثير من الناس، وتقويم كل شيء بميزان الذهب والفضة، ثم لا سعدوا في أنفسهم ولا أسعدوا غيرهم. وظهر في هذه الأعصاب المهدمة عند أغلب الناس لم يهدئها الدين، ولم يلطفها اليقين، وظهر في الشباب الذي تحرر من كل قيد فإذا هو في قيد المرض والفقر وضيق النفس، والشابات اللاتي تحررن من قيود سلطة الآباء، فوقعن في أسر سلطان الزمان، وظهر في المسحونين في شكل طلقاء، وفي الأموات في شكل أحياء، وأخيرا في الحروب المتوالية ونكباتها وويلاتها، لقد تنبأ بأن الناس إذا تحرروا من قيود العقيدة ومن قيود رجال الدين، كانت السعادة التامة، فلما تحرروا من كل ذلك لم يكن إلى الشقاء.

إن المدنية الحديثة آلام ضاحكة، وأصوات «جازبند» تخفي وراءها أنينا أليما, ورقص ضاحك يغالب قلبا حزينا. الحياة حرب حاضرة أو استعداد لحرب قادمة، أو بكاء من حرب فائتة. ومن المستحيل مع هذا اطمئنان دائم.

سر هذا أن الحياة فقدت انسجامها الذي كان يؤلفه الدين، وأن المصلحين يعالجون المادة ولا يعالجون الروح، وينظرون إلى البيت وأساسه وأثاثه ولا ينظرون أبدا إلى كنزه.

كان المتدينون ينظرون إلى العالم كوحدة يسيطر عليها إله، وإن اختلفوا في التفاصيل فلم يختلفوا في الأساس، وكانوا يضمون إلى حساب الأرض حساب السماء، وإلى الحياة الدنيا الحياة الأخرى، فكان هذا يوحي بالطمأنينة والانسجام. ولكن في تفاصيل كل دين وفيما عرض له بعد أيامه الأولى ما لا يتفق والعقل إذا رقي، والعواطف إذا تسامت، فبدل أن يعالج ذلك المصلحون ويفرقوا بين أصل صح وعارض فسد أنكروا الدين جملة، واتجهوا إلى العلم وحده، وإلى المنطق الجاف وحده، فذبلت الروح من قلة الغذاء، وضعفت الأخلاق إذ لم تؤسس على تقديس، وحل محل تقديس المبادئ ما وضع الساسة وعلماء الاقتصاد والاجتماع، فشعر الإنسان أنه مضطر لسماع الأوامر لا سامع لصوت الضمير، هو مضطر للخضوع للرأي العام ولقانون الدولة، وللمستبد الجبار أو للبرلمان، لا لأوامر الله الذي يسيطر على العالم وينظمه ويرعى في أوامره خيره وفي نهيه ضرره. لقد وعدوه بالسعادة عند ما تتحقق حرية العقل وحرية التفكير، ولكن رأى آخر الأمر أنهم قيدوه بآلاف القيود من ضغط الحوادث وكثرة القوانين ودعوى الوطنية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨٥