تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل يدرك الغرب أن الشرق لا ينام بعد اليقظة، ولا يستذل بعد أن شعر بنفسه، ولا يستسلم بعد أن أدرك قوته؟

وهل يدرك الشرق نفسه ما أمامه من مفترق الطرق، وما يجتازه من دقة المرحلة، وما في عنقه للأجيال القادمة، فيبذل كل جهده، ويضحي بكل شهواته، ولا يهزل حيث يجد العالم، ولا يتكالب على الصغائر، والحكمة منعقدة، والعالم شاهد، والحكم على لسان القاضي؟

| في الحياة الروحية1

1

بيت جميل، تروعك عظمته وفخامته، قد أسبل عليه القدم جلالا، يشهد لمهندسه بالمقدرة الفنية، تدخله فيعجبك أثاثه كما أعجبك بناؤه، قد فرشت كل حجرة منه فرشا جميلا متناسقا، وزين البيت كله بأنواع الزينة، وحلي بأنواع الطرف، وكان حديث الناس في الإعجاب به ووصف جماله وجلاله، يفيض المهندس في وصف بنائه، والفنان في الإشادة بفنه، والهاوي بالإعجاب بطرفه، والأديب بوحي مناظره، وكلهم متفقون على حسنه.

ولكنهم مختلفون اختلافا كبيرا في أمر هام من أموره؛ فقوم يقولون إن في البيت كنزا مدفونا لسنا نعلم مقره، ولكنا واثقون من وجوده، وهذا الكنز في الغاية من عظم القيمة، حتى إن البيت وما فيه لا يساوي شيئا بجانبه، ومن وصل إليه أو نال شيئا منه كان ذا حظ عظيم، أما من اكتفى بمنظر البيت ومتاعه فلم يدرك من الأمور إلا ظواهرها.

وقال آخرون إن هذا الكلام من صنع الخيال، وليس في البيت إلا ما نحس وما نرى وما نلمس، فهذا هو الحق، وهو الحق وحده، أما الكنز فلا نؤمن به إذ لا دليل عليه، وإنما هي أقوال قالها السلف وتوارثها الخلف. ولسنا نؤمن إلا بالحس وما يستنتج من الحس، فإن شئتم أن نؤمن بالكنز فأروناه جهرة .

ولما خلا المؤمنون بالكنز إلى أنفسهم اختلفوا فيما بينهم على طريقة استكشافه. فقال قوم نطلق البخور ونقرأ التعاويذ حتى يفتح الكنز، وقال آخرون إن ذلك إنما يكون بالسحر وضرب الرمل، وهزئ آخرون بكل ذلك وقالوا إن الوسيلة للوصول إليه صفاء النفس ورياضتها وتطهيرها وإرهاف مشاعرها حتى تصبح كالمرآة المجلوة تنعكس عليها صور الأشياء ومنها الكنز.

هذا مثل الحياة المادية والحياة الروحية، وهذا مثل الحياة الروحية بما فيها من حق وباطل وصدق وتخريف.

وتاريخ الإنسانية نزاع حول هذا البيت هل فيه كنز أولا؟ فكل العقائد والأديان عمادها أن وراء هذا المنظور شيئا غير منظور.

وشأن البيت وكنزه والخلاف فيه كشأن الإنسان بدنه وروحه يبتدئ ظاهرا من خلايا وعضلات، ثم يدق في خلايا المخ وأعصابه، ويصل العلماء إلى بعض خصائص هذه الخلايا المخية، ثم تغمض حتى يعمى عليهم الأمر، ويكون الشأن شأن كنز البيت، فإذا وصلنا إلى الروح فالأمر أعقد وأغمض، كيف تحيا هذه الخلايا، وكيف تؤدي وظائفها العجيبة ذلك ما لا نعلم، ومع هذا ظل قوم لا يؤمنون إلا بالعلم.

إنا لنشهد في المدنية اليونانية هذا النزاع بين الماديين والروحانيين؛ فمنهم الطبيعيون الذي يؤمنون بالطبيعة ولا يؤمنون بما وراءها، والروحانيون الذين يؤمنون بما وراء المادة، ويغرقون في هذا الإيمان كما يظهر في أعمال معبد «دلفي». وعند المصريين القدماء كانت النزعتان، وكان رجال الدين هم الذين يحفظون أسرار الحياة ويصفون الحياة قبل الميلاد والحياة بعد الموت.

وتأتي على العالم موجات، موجة إلحاد يعقبها موجة إيمان وهكذا.

وفي القرن التاسع عشر وأوائل العشرين سادت النزعة العلمية، وتبعها الإيمان بالمادة وحدها، وسادت العالم العلوم الثلاثة، الطبيعة تبحث في ظواهر المادة التي حولنا، والفلك يبحث في حركة الأجسام السماوية ومادتها، والكيمياء تبحث في تركيب المادة، فكلها تبحث عن المادة، عن البيت من غير كنز، وتبع ذلك الاكتشافات العلمية الخطيرة والمخترعات العجيبة، وقسموا المادة إلى عضوية وغير عضوية، فالعضوية تشمل الحيوان والنبات، وقصروا الفروق بين العضوية وغير العضوية على الظواهر الخارجية، من تنفس وغذاء ونحو ذلك ، ولكن العلم لم ينجح في تفسير كل ما في البيت كيف تؤثر الشمس في حركة الأرض وفي إضاءتها وحرارتها، مع أن بينهما خلوا وفراغا؟ إن قانون الجاذبية قد حل المسألة رياضيا، ولكن لم يحلها عقليا، وساد العالم الطبيعي نظرية الذبذبة في الكهرباء والمغنطيسية والحرارة والضوء، ولكنها كلها لا تفهم مع وجود الخلو والفراغ، ولا بد من فرض مادة تملأ هذا الخلو وهذا الفراغ، وهي الأثير، والأثير غير مفهوم، وإنما هو فرض يفرض.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨٤