تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنا بهذا قد وصلنا إلى القناطر.

ج :

ما شاء الله ، ما شاء الله! أهذا كل محصولك من الضحك؟ والله إن نكتة واحدة باردة خير مما قلت كله، وليس في كل ما ذكرت شيء له قيمة إلا إذا أخذته على أنه نكتة سمجة، ولكن يا أخي صدقني أن لك موهبة لا تجارى، وهي أنك تستطيع بقدرة قادر أن تقلب كل سرور إلى غم، وفي باطن نفسك «مستودع» من السواد كلما رأيت شيئا جميلا أو منظرا سارا أخرجت من هذا السواد ولطخت به هذا المنظر فانقلب أسود حالكا، بعد أن كان أبيض ناصعا أو أحمر زاهيا؛ فليبارك الله لكل في موهبتك، وليزدك بركة حتى تملأ عيشتك سوادا. وإلا فقل لي: كيف استطعت أن تحول نوادر جحا ونوادر المجلات المضحكة في الإنجليزية والفرنسية إلى هذه السخائم؛ أما أنا فلو أعطيتني كل كتب علم نفسك واجتماعك العابسة لقلبتها نكتا مشرقة.

ب :

أقر لك بعجزي في هذا الباب، وسأترك لك الميدان من الآن إلى أن تعود في إضحاكنا بحديثك وملحك، ولكن اسمح لي بشيء واحد، وهو أن أطبق على كل ملحة من ملحك نظرية «سبنسر» و«مكدوجل» و«جريجوري» لأتعرف صدقها من كذبها.

ج :

أبيحك هذا بشرط واحد، وهو ألا تحدثنا بما يدور في خلدك.

| في الهواء الطلق (5)

خرجت هذه المرة وصديقي إلى «صحراء مصر الجديدة» ننعم بالبدر في تمامه.

وبدأ الحديث في أوربا ومتاعبها، والسياسة ومشاكلها، حتى وصلنا إلى مبادئ «ولسن» و«ميثاق الأطلنطي» و«هيئة الأمم المتحدة».

هو :

أتصدق كل ذلك؟ إن آدم وحواء قبل التاريخ هما آدم وحواء القرن العشرين والثلاثين والأربعين، لم تتغير طبيعتهما، وإنما تغير فيهما مظاهرهما. لقد وجدت الرغبة الصادقة عند بعض الناس في كل عصر لنشر السلام ومنع الحروب، ولكن غريزة آدم حالت دون ذلك، وستظل هذه الغريزة دائما مدعاة للحرب مطاردة للسلم، لقد قرأت مرة قصة لطيفة، أن رئيس وزارة في الصين - كان يعيش قبل المسيح بنحو ستة قرون - جمع رؤساء الدول الصينية الثلاث عشرة كلها في مؤتمر، واقترح عليهم سلما دائمة، فلا يثيروا حربا، ولا يعكروا صفاء، وأن يعقدوا حلفا على ذلك، فأجابوا دعوته، وتحالفوا على السلام بأوثق الأيمان، وهنأ رؤساء الدول رئيس الوزراء الداعي إلى السلام على نجاحه، وحسن إخلاصه، وحبه للخير، وتوالت عليه التهاني من كل ناحية، ولكن صديقا من أخلص أصدقائه لم يشارك الناس في الثناء عليه ورماه بالغفلة والبلاهة، وقال إن مشروعه ليس إلا مجرد أوهام، وإنه لا يستحق أي تكريم، وليحمد الله على أن الناس لم يعاقبوه ولم يرجموه، لأنه غطى وجه الحقيقة، وكان يجب أن يكون عاريا حتى لا يضلل الناس، فعجب رئيس الوزارة من كلام صديقه ومخالفته الإجماع، ولكن لم يمض على هذا الحلف عشرة أعوام حتى نقض، ونشبت الحرب بين الدول الصينية التي تعاقدت على السلم.

ومثلت هذه الرواية نفسها في عصور متعاقبة، فقد أعلن القديس «أغسطين» أن إمبراطور الرومان جاء من عند الله ليمحو الحرب من العالم ويؤلف بين الناس. ثم لم تلبث أن كانت الحرب، وأخيرا جاء «ولسن» فدعا مثل هذه الدعوة ومثل مثل هذه الرواية، ثم كانت الحرب أيضا، وها هي هيئة الأمم المتحدة تمثل الآن هذه الرواية والممثلون أنفسهم تشهد قلوبهم بما لا تنطق به ألسنتهم. وأذكر أني قرأت رسالة بديعة لبديع الزمان الهمذاني، ردا على من كتب له «فسد الزمان» فكان مما جاء فيها: «والشيخ يقول: فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها؟ أم في الدولة الأموية، والرمح يطعن في الكلى، والحرتان وكربلا» وما زال يتتبع فساد الزمان حتى وصل في فساده إلى آدم، ثم قال: «أم قبل ذلك والملائكة تقول (في خلق آدم):

أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وختمها بهذه الكلمة الجامعة: «والله ما فسد الناس ولكن اطرد القياس». إن آدمنا وحواءنا هما آدم وحواء العصر الأول، وهما في كل عصر المادة الخامة لما يحدث في الأرض من أحداث اجتماعية، وهما تسيرهما بعض الغرائز البدائية الآن كما كانت من قبل؛ فالإنسان مسير بالحب وبالكره، وبالانتقام وحب السلطة وحب الجاه، وحب الغلبة شأنه في ذلك قديما شأنه حديثا، وهذه الأمور أحيانا تخضع للعقل، وأحيانا يخضع لها العقل، والخلاف بين العصور ليس إلا خلافا في الطلاء من عهد آدم إلى اليوم، والأنبياء والمصلحون من عهد آدم الأول يقولون لا تقتل ولا تسرق، ولكن آدم القرن العشرين ظل يقتل ويسرق، وسيقتل ويسرق، والعالم محكوم بقليل من العقل وكثير من السخافة، وشأن المحكومين في ذلك شأن الحاكمين يتبوأ الحكم في الناس أكثرهم طموحا وشيطنة ولعبا بعقول الجماهير، لا خيرهم ولا أعدلهم ولا أكثرهم استقامة، والجمهور يصفق لهم؛ لأنهم أقدر على الضحك على عقله وأكثرهم تملقا له، حتى الرجل المستقيم قبل الحكم يلتوي إلى حد ما بعد الحكم، فهل تظن أن آدم سيتحول بين عشية وضحاها إلى ملك؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨١