أنا :
يظهر يا صديقي أنك اليوم سوداوي المزاج، ترى كل شيء أسود حتى التاريخ. والحق أنه كم من فرق بين آدم الأول وآدم القرن العشرين، لا في المظهر فقط بل في الجوهر أيضا. إن الإنسان في تطوره تعلم كبت غرائزه، وما المدنية إلا كبت الغرائز. انظر إلى ما فعلته في أمة متمدنة التربية الدينية، والتربية المدنية في الغرائز، كيف استطاعت أن تعلم الجمهور الطاعة والخضوع للقانون والنظام في شئون الحياة، وهذا كله كبت للغرائز، فليس يقتل الرجل عدوه لمجرد الغضب منه ولا للباعث الوقتي عنده، ولا يسلب ماله لمجرد شهوته. وقد سلبت من الأفراد قوة تنفيذهم استجابة للبواعث الوقتية عندهم، واستخدام قوتهم لتنفيذ رأيهم، وجعل ذلك كله للمحاكم، والقضاة يحكمون بالقانون والعدالة، أليس ذلك كله تهذيبا للغرائز؟ فإن حدث قتل أو سرقة أو غضب فالشذوذ لا القاعدة، وقد كانت القاعدة عند الإنسان الأول أخذ ما يشتهيه بالقوة، فإن اعترضه عارض فالقتل، وأصبحت القاعدة اليوم تحكيم القانون والعقل؛ أو ليس هذا انقلابا؟
هذا من ناحية جمهور الشعب، وكذلك الشأن من ناحية الحاكم؛ فقد كان شيخ القبيلة أو السلطان أو الملك لا حد لسلطانه، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويسلب ملك من يشاء، ويقتل من يشاء ويحيي من يشاء؛ فلما تقدم الإنسان حد من سلطانه، وبعبارة أخرى كبتت غرائزه، وتقيد بقيود ما للشعب من حقوق؛ فليس يقتل وليس ينهب وليس يستطيع أن يعطي من مال الأمة ولا أن يصادر، وليس له أن يعتدي على حقوق أي إنسان من شعبه في حياته ولا حريته ولا ملكه، فإن حدث شيء من هذا فاستثناء لا قاعدة، وقد كان ظلم السلاطين قاعدة لا استثناء، أليس هذا انقلابا خطيرا حتى في الغرائز؟
وهذا العالم الحديث يريد أن ينظم العلاقات بين الأمم كما نظم العلاقات بين الأفراد، وينشئ محكمة للأمم كمحكمة الأفراد، حاول ذلك في عصبة الأمم ثم فشل، فهو يحاولها في هيئة الأمم وهو في كل فشل يستفيد من التجارب.
لقد بدأت حكومات الدول تشعر بأنه لا بد (لسلام العالم) من اتفاق وتفاهم بينها. وأنه لا بد من قوة مسلحة تخيف من لم يرد التفاهم، وأن هذه القوة المسلحة يجب أن تكون فوق القوة المسلحة لكل أمة، وأن تكون القوة المسلحة الكبرى خاضعة للهيئة الدولية العامة، شأنها في ذلك شأن المحكمة مع الأفراد، وقوة المحكمة بالنسبة لقوة الأفراد.
لست أزعم أن هذا كله سيحصل في عام أو عامين أو عشرة، ولكنه لا بد حادث قريبا، فكل الدلائل تدل على أن العالم سائر في الدرب الموصل إليه، وإن لاقى في ذلك أهوال حرب أو حربين أخريين.
وكنا قد رجعنا إلى قواعدنا سالمين، ووقفنا على باب داره.
هو :
إن كلامك يحتاج إلى تفكير عميق، وأظن أن سيكون له مني رد طويل عند ما نلتقي قريبا.
أنا :
كل ما أرجو ألا تقابلني في المرة الأخرى بمنظار أسود.
هو :
إذا طلبت مني خلع المنظار الأسود فلم لا أطلب منك خلع المنظار الأبيض؟ وكانت ضحكة، وكان افتراق.
| الشرق في محنته
يجتاز الشرق اليوم مرحلة من أدق المراحل وأخطرها، عليها يتوقف مصيره وتتأثر بها أجياله.
ولئن كان العالم كله يجتاز هذه المرحلة كذلك فللشرق مشاكله الخاصة به وله آماله وآلامه التي لا يشاركه فيها غيره.
ومشاكل الشرق آتية من علاقاته الخارجية وعلاقاته الداخلية.
فمن الناحية الخارجية يريد الشرق تبعا للتطور العالمي أن يستقل ويحكم نفسه بنفسه، ويصرف شئونه كما يرى، وكما يقدر المصلحة له ولمن حوله، ويأبى كل الإباء أن يتحكم فيه الغرب كما كان يتحكم من قبل، وأن يتصرف فيه تصرفه في السلع التي تباع وتشرى، ويرى الشرق أن خضوعه لغيره إن كان ممكنا فيما مضى وقت عماه وضلاله وغفلته فلم يعد ممكنا الآن، وقد أبصر بعد العمى، واهتدى بعد الضلال، وتنبه بعد الغفلة، وأيقن أن العلاقة بينه وبين الغرب لم تعد علاقة عبد لسيد ولا خادم بمخدوم ولا فلاح بمالك مزرعة، وإنما يجب أن تكون العلاقة علاقة الند للند، كل يدير شئون نفسه بنفسه، وكل يخضع لما يتطلبه الصالح العام للعالم.