تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أ :

يخيل إلي أن «برجسون» مبالغ في نظريته وتعميمها، وجعل سبب الضحك كله «عقوبة على عمل آلي سخيف»، فهناك الماجنون والمضحكون لا يرون أن ضحك الجمهور عقوبة لهم، بل هم يسرون لضحكه، ويجب أن نقرر أن هناك ضحك عقوبة، وضحك استحسان، ولماذ نضحك ممن زلقت رجله فتمدد على الأرض، ويصيبنا الرعب لا الضحك إذا انزلقت رجله من قمة جبل فتردى؟

ب :

لقد أدرك «برجسون» هذا فاشترط فيما يثير الضحك ألا يكون مما يثير انفعالا قويا كهذه الحالة.

وعلى كل حال فأنا أعرف ما قرأت وقد يكون فيه بعض النقد. واستمر يقول: وجاء «مكدوجل» فبحث في نظرية الضحك فقال إن للضحك وظيفتين وظيفة نفسية ووظيفة فسيولوجية، فمن الناحية النفسية هو يقف مجرى الفكر وتسلسله ويريحه من جهده، ومن الناحية الفسيولوجية يزيد في جريان الدم وسريانه إلى الرأس والمخ بتنشيطه للدورة الدموية، ويتبع ذلك ما نرى من أثر الفرح والسرور، أما ما يسبب ضحكنا فهو الأضرار الخفية التي تنزل بغيرنا فتثير عطفنا عليه، عطفا ممزوجا بشيء من الألم، فيأتي الضحك ليقطع تسلسل هذا الفكر الذي بدأ يتألم، فنحن لم نضحك؛ لأننا سررنا، بل إننا سررنا؛ لأننا ضحكنا.

أ :

لعلي أستخلص من هذه النظرية أن الضحك أتى لينفس عن ألم صغير وليبعد استمراره، وهذا صحيح في بعض الحالات حتى في الألم الصغير يلحقنا نحن، ولكنه لا يصح أن يكون سببا عاما، فبعض الألم الصغير يضحك وبعضه لا يضحك، فانزلاق الرجل قد يضحك، ووخزة بإبرة قد لا تضحك، على أن كثيرا مما يضحك ليس مما يسبب ألما لا صغيرا ولا كبيرا.

ب :

قلت: إني أعرض ولست أنقد، وجاء باحثون آخرون فعرضوا أيضا لمشكلة الضحك فالأستاذ «جريجوري» عني ببيان أن الضحك أنواع: فضحك انتصار، وضحك ازدراء، وضحك إعجاب إلخ، وكلها تنتج تنفيسا عن النفس، ومهما كان فإن الباحثين لم يستطيعوا إلى الآن أن يجدوا قانونا واحدا لكل أنواع الضحك.

أ :

يخيل إلي أن سبب خطئهم راجع إلى أنهم يريدون أن يرجعوا كل الأسباب إلى سبب واحد. وأنواع الضحك مختلفة جدا، فيصح أن تكون أسبابها مختلفة كذلك؛ فمثلهم كمثل من يحاول أن يرجع أسباب المرض المختلفة إلى سبب واحد مع أنه قد يكون سببه القلب وقد يكون سببه الأسنان.

ب :

هذا صحيح، وبعد أن فرغت من تصفح كتب علم النفس أمضيت ساعات في كتب علم الاجتماع، فرأيت بعضهم أيضا يبحث في الضحك من الوجهة الاجتماعية، وبدءوا حديثهم من نقطة أن الإنسان لا يضحك إن كان وحده غالبا مهما كانت النكتة التي استحضرها في ذهنه مثيرة للضحك العميق. إنما يستثار الضحك العميق في جماعة من الأصدقاء أو المعارف؛ ولهذا الضحك وظيفة هي توثيق الروابط بين الجماعات وهناك فرق بين أن نضحك من الشخص وأن نضحك على الشخص؛ فإذا ضحكنا من ممثل أو ماجن أو متندر فإننا نحاول ضمه إلى المجتمع ونوثق معه روابطنا، وإذا ضحكنا على شخص ضحك ازدراء وتحقير لأخطاء ارتكبها أو لقلة ذوق منه أو غفلة فإنما نشعر بارتباطنا ضده، ونعلن بضحكنا عليه أن بيننا صلة مشتركة، وهي أننا لا نقع في مثل ما وقع فيه، وقد عرف البلغاء ما يوثقه الضحك من الترابط، فجرت عادة الخطيب أن ينثر في ثنايا حديثه ما يضحك ليوثق الصلة بينه وبين سامعيه، فيستغلهم في قبول موضوع خطابته، وكذلك يفعل الكاتب الروائي وغيره. ثم لاحظوا في المجتمع الضاحك أنه لا بد لضحكهم من أن يكون بينهم قدر مشترك من الذوق والعاطفة والثقافة؛ ولهذا قد يغرق قوم في الضحك من نكتة، على حين أنها لا تستخرج من قوم آخرين ولا التبسم، بل قد تدعو إلى الاشمئزاز والنفور، كما أن الأفراد والجماعات والبلدان يختلفون في «حس الضحك». فمنهم من فقد هذا الحس فلا يضحك مما يضحك منه، ومنهم من نما عنده هذا الحس حتى ليضحك مما لا يضحك، وعلى الجملة فالضحك يخدم المجتمع من نواح كثيرة: من ناحية تفريحه وإدخار السرور عليه، ومن ناحية توثيق الروابط بين جماعاته، ومن ناحية تخويف من يخرج على تقاليده - وعاداته وأخلاقه - بالضحك عليه ضحك سخرية واستهزاء، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٧٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٧٨٠