والمثل الأعلى للأولين حياة تستجاب فيها الغرائز وتطاع فيها تقاليد القبيلة، وعند المتوسطين احترام نظام الطبقات والإيمان بالمأثور من غير برهان، وعند الأخيرين خلق أساسه العلم، وعلم أساسه التجربة والبرهان، والعظيم المبجل في الدور الأول القوي الغرائز، وفي الدور الثاني القديس والولي، وفي الدور الثالث العالم والمصلح.
أ :
أكل هذا قرأته في الكتاب؟
ب :
بل أخذت الفكرة واسترسلت في تطبيقها.
أ :
ما رأيك في الشرق وعلى أي درجة من السلم يقف؟
ب :
أظنه يرفع رجله اليمني إلى الدرجة الثالثة ولما تزل رجله اليسرى على الثانية.
ج (وصحا ج على القول الأخير فقال) :
ألا تزالون تهذون؟ مرحى بالدور الثالث دور العلم والتجربة العملية، الذي توج بالقنبلة الذرية، أما سمعتم قول الشاعر:
جفنه علم الغزل
ومن العلم ما قتل؟
هأ، هأ، هأ
ب :
أعدك أن ننظم رحلة في الأسبوع القادم يكون الحديث فيها كله ضحكا.
| في الهواء الطلق (4)
وفينا بوعدنا وخرجنا هذا اليوم إلى القناطر الخيرية. هذا هو الربيع، هو موسم الحياة، ومحفل الجمال، ومعرض الألوان، تختال فيه الرياض بما لبست من ثياب ناضرة زاهية، وتترنح فيه الأغصان بما طربت من أغاني الطيور الصادحة، يروق العين بأزهاره البديعة وألوانه الجميلة، تجلى فيه الطبيعة كما تجلى العروس، فتختال وتتبرج، وتتعطر وتتأرج، وترفل في حللها وحليها بين مخطط وملون، ومدبج ومنمنم، ويروق السمع بأغاريد طيوره، وشجي بلابله، ويروق الشم بجمال عبيره، وعطر نسيمه، وهو فوق ذلك يروق النفس بكل ما فيه، فكل شيء فيه جميل، فهو حقا شباب الزمان ونموذج الجنان، وخلاصة العام، وصوفة الأيام، لوددت أن هذا الجمال كله تجمع في فم فقبلته، أو في كوب فشربته، أو في جسم فاحتضنته، فإن لم يكن، فوددت أن تذوب نفسي فيه فتسري في ماء أزهاره، أو تفنى في غناء أطياره. •••
ركبنا باخرة نيلية تشق عباب الماء، وعلى الجانبين المزارع المنبسطة، والأشجار الباسقة، والنخيل يفرع الجو إلى السماء، ويتعمم بأغصان يداعبها الهواء، والنسيم عليل يميل إلى البرودة، ننتقل إلى الشمس فندفأ، ثم إلى الظل فنبرد، ونظل ننعم بدفء من برد، وببرد من دفء.
ج :
هات وعدك أيها السيد (ب) فقد وعدتنا أن يكون حديثك كله اليوم ضحكا.
ب :
نعم وعدتك هذا، ولكن.
ج :
إني أكره «لكن» هذه.
ب :
لك الحق أن تكرهها، ولكن.
ج :
قلت إني أكره «لكن».
ب :
بالأمس ذكرت ما وعدت وقدرت تبعتي، فعكفت على مجموعة عندي من نوادر جحا، ثم عكفت على مجموعة من مجلة إنجليزية، وأخرى فرنسية فكاهية، أجمع لك منها نوادر مضحكة، ثم وجدتني أغرق في بحث عميق، في الفرق بين الفكاهة الشرقية والفكاهة الغربية، ومقدار استخدام الذكاء في النوعين، ومقدار اللعب بالألفاظ في إحداهما واللعب بالذكاء في الأخرى، والأدب المكشوف في ناحية والمستور في ناحية، وظللت أبحث حتى أنساني هذا البحث النوادر نفسها إلا أن تكون شاهدا، ثم رأيتني أمد يدي إلى كتب في علم النفس تبحث في الضحك وأسبابه. فوجدت العلماء يثيرون سؤالين: لم نضحك؟ وما وظيفة الضحك؟ وخرجت من هذه القراءات بنتائج قيمة. «فسبنسر» بحث في أسباب الضحك من ناحية فقال: إن الضحك قد ينشأ من لذة حادة كضحك السكران، وقد ينشأ من ألم حاد كضحك المصاب بالهستريا، وقد ينشأ من منظر فكه. ووظيفة الضحك إفراغ شحنة التعب العقلي بواسطة عضلات الوجه والصدر، وهو ينفس عن التعب العقلي كما تنفس أعمال القسوة عن الغضب، وكما ينفس البكاء عن الحزن.
وجاء «برجسون» فعالج الضحك من وجهة أخرى فبدأ حديثه بقوله: إذا داس رجل قشرة موز فزلقت رجله فلماذا نضحك؟ إنما نضحك؛ لأن الرجل مثل دور الجماد في خضوعه لقانون الجاذبية، ولم يحتفظ بمركزه من حيث هو إنسان، فالضحك عقوبة للسلوك السيء، أو الأعمال الآلية السخيفة، وأخذ «برجسون» من هذا المثال البسيط يطبق نظريته هذه على كل الأعمال المضحكة، حتى الحركات البهلوانية وإشارات الخطباء السمجين، والملح والنوادر.